أثارت رحلة جوية غير اعتيادية لطائرة تابعة للقوات الجوية الروسية اهتمام متابعي حركة الطيران في شمال أفريقيا، بعدما ظهرت الطائرة الروسية إليوشن إيل-62 إم ذات التسجيل أر أ-86561 ورمز النداء أر أف أف7364 وهي تغادر الجزائر باتجاه الشرق، عابرة الأجواء الليبية، في مسار لافت تجنب المجال الجوي التونسي.
وتُظهر بيانات تتبع الطيران أن الطائرة وصلت إلى الجزائر قادمة من روسيا، قبل أن تغادر الجزائر باتجاه الجنوب الشرقي، ثم تواصل مسارها فوق ليبيا. وتؤكد قاعدة بيانات «فلايت رادار 24» أن الطائرة أر أ-86561 تابعة للقوات الجوية الروسية، وهي من طراز إليوشن إيل-62 إم، فيما يظهر رمز النداء العسكري الروسي أر أف أف ضمن بياناتها.
المسار الذي ظهر على خرائط التتبع يطرح سؤالاً لافتاً: لماذا اختارت طائرة روسية عسكرية، بعد مغادرتها الجزائر، المرور عبر الجنوب الجزائري ثم ليبيا بدلاً من التحليق فوق تونس والبحر المتوسط؟

ولا توجد، حتى الآن، معطيات علنية تؤكد أن السلطات التونسية رفضت منح الطائرة تصريحاً لعبور مجالها الجوي، ولذلك سيكون من المتسرع اعتبار المسار دليلاً على وجود قرار روسي متعمد بتجنب تونس. فطائرات القوات الجوية لا تختار مساراتها بالضرورة وفق أقصر طريق جغرافي، وقد تكون الرحلة مرتبطة بوجهة أو مهمة لا تظهر في بيانات التتبع المدني.
لكن أهمية الرحلة تكمن في هوية الطائرة ومسارها الإقليمي.
فالطائرة نفسها ليست مجرد طائرة نقل عادية. وقد سبق رصدها في رحلات بعيدة مرتبطة بتحركات روسية خارج البلاد. ففي يوليو/تموز الماضي، رُصدت الطائرة نفسها في رحلة إلى بيونغ يانغ، بينما تظهر بيانات سابقة لها رحلات من وإلى دمشق ولومي وأنتاناناريفو، ما يعكس قدرتها على تنفيذ رحلات حكومية وعسكرية بعيدة المدى.
والأكثر دلالة أن الجزائر وليبيا أصبحتا خلال السنوات الأخيرة جزءاً من شبكة الحركة الروسية نحو أفريقيا. فقد كشفت تحليلات تعتمد على تتبع الطائرات عن تنامي استخدام المسارات الجوية المرتبطة بروسيا عبر شمال أفريقيا، خصوصاً الجزائر وليبيا، في اتجاه منطقة الساحل.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الرحلة الجديدة عن الحضور الروسي المتزايد في أفريقيا، ولا سيما في ليبيا ومنطقة الساحل، حيث تسعى موسكو إلى الحفاظ على خطوط إمداد واتصال جوية تربط الأراضي الروسية بالمواقع التي تنشط فيها قواتها وشبكاتها العسكرية.
وتزداد أهمية الجزائر في هذا المسار، إذ أظهرت بيانات تتبع الرحلات السابقة للطائرة أر أ-86561 أنها زارت الجزائر ضمن شبكة تحركاتها الدولية، كما تشير قواعد بيانات الطيران إلى أن الجزائر من بين الدول التي سُجلت فيها رحلات هذه الطائرة خلال السنوات الأخيرة.
أما ليبيا، فتشكل من الناحية الجغرافية محطة منطقية في أي مسار روسي باتجاه الساحل الأفريقي، وهو ما يجعل عبور الطائرة فوق الأراضي الليبية، بعد مغادرتها الجزائر، أكثر أهمية من مجرد مسألة عدم المرور فوق تونس.
هل كانت الطائرة عائدة إلى روسيا؟
هذا الاحتمال قائم، لكن لا يمكن تأكيده من الصورة وحدها. فبيانات «فلايت رادار 24» المتاحة للعامة لا تعرض بالضرورة الوجهة النهائية للطائرات العسكرية، كما أن تاريخ الرحلات المنشور للطائرة يتضمن عدة رحلات تكون وجهتها غير محددة.
كما أن رقم الرحلة الظاهر في الصورة أر أف أف 7364 لا يكفي وحده لتحديد طبيعة المهمة أو الجهة التي كانت على متن الطائرة.
وبالتالي، فإن ما يمكن تأكيده هو أن طائرة تابعة للقوات الجوية الروسية وصلت إلى الجزائر، ثم غادرتها باتجاه الجنوب والشرق عبر ليبيا، في مسار لم يستخدم الأجواء التونسية.
أما لماذا اختارت هذا المسار تحديداً، وما إذا كانت ليبيا مجرد مجال عبور أم محطة في مهمة روسية أوسع، فذلك يبقى مفتوحاً أمام عدة احتمالات.
تونس خارج المسار… صدفة أم مؤشر؟
السؤال الأكثر إثارة بالنسبة إلى تونس هو ما إذا كان تجنب مجالها الجوي يحمل دلالة سياسية أو أمنية.
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية على ذلك.
فعدم عبور طائرة عسكرية روسية للأجواء التونسية لا يعني بالضرورة وجود أزمة أو توتر أو رفض تونسي. وقد يكون المسار مرتبطاً حصراً بخطة الطيران أو بالوجهة النهائية للطائرة.
لكن في الوقت نفسه، فإن ظهور طائرة روسية عسكرية بهذا النوع من الطائرات وهي تنتقل من الجزائر إلى ليبيا عبر جنوب المنطقة المغاربية يستحق المتابعة، خصوصاً إذا تكرر المسار أو ظهرت خلال الساعات والأيام المقبلة رحلات روسية أخرى تسلك الطريق نفسه.
فإذا كانت هذه الرحلة منفردة، فقد لا تكون أكثر من رحلة لوجستية عسكرية عادية. أما إذا كانت جزءاً من سلسلة رحلات روسية بين موسكو والجزائر وليبيا، فقد نكون أمام مؤشر جديد على نشاط جوي روسي متزايد في شمال أفريقيا والساحل.