كشفت صحيفة «إيكو ديلّو جونيّو» الإيطالية عن حالة شاب تونسي من طالبي اللجوء في منطقة سهل سيباري بإقليم كالابريا، وجد نفسه أمام مفارقة لافتة: عقد عمل قانوني، وأجر ثابت، ورغبة من المشغّل في دفع مستحقاته بطريقة قانونية وقابلة للتتبع، لكن الإجراءات البيروقراطية حالت دون حصوله على حساب مصرفي يمكن تحويل راتبه إليه.
وبحسب التقرير، فإن القضية أثارتها كارمن فلوريا، وهي وسيطة ثقافية واجتماعية تعمل منذ سنوات في مجال إدماج وحماية العمال الأجانب، كما تنتمي إلى فريق مشروع «سو.بر.إي.مي 2».
وتقول فلوريا إن الشاب التونسي عمل طوال فصل الصيف في محل لبيع المثلجات بموجب عقد عمل نظامي، وإن صاحب العمل أراد دفع راتبه عبر تحويل مصرفي، التزاماً بقواعد الدفع القابلة للتتبع المعمول بها في إيطاليا.
غير أن المشكلة ظهرت عند محاولة فتح حساب مصرفي أو حساب أساسي يسمح للعامل بتلقي أجره.
عقد قانوني.. وراتب لا يمكن الوصول إليه
وفق التقرير، يحمل الشاب التونسي وثائق مرتبطة بطلبه الحصول على الحماية الدولية، في وقت تم فيه حجز جواز سفره من قبل السلطات الإيطالية في إطار الإجراءات المرتبطة بطلب اللجوء.
وتقول فلوريا إن الشاب واجه صعوبات لدى «البريد الإيطالي» في فتح حساب، بسبب طبيعة الرقم الجبائي المؤقت المرتبط بوضعه القانوني.
وتبرز هنا المفارقة التي يسلط التقرير الضوء عليها: فالقواعد الإيطالية تفرض منذ سنوات على أصحاب العمل استخدام وسائل دفع قابلة للتتبع، مثل التحويل المصرفي أو وسائل الدفع الإلكترونية أو بعض الآليات المصرفية والبريدية، بدلاً من دفع الأجور نقداً بصورة مباشرة.
لكن العامل، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة، وجد نفسه عاجزاً عن استخدام الوسيلة القانونية التي يفترض أن تمكنه من الحصول على راتبه.
ماذا تقول القواعد الإيطالية؟
يشير التقرير إلى أن القانون الإيطالي يعترف لطالبي اللجوء بإمكانية الوصول إلى الخدمات المصرفية الأساسية.
كما يستند إلى بوابة إدماج المهاجرين التابعة لوزارة العمل الإيطالية، التي توضح أن إيصال إيداع طلب الحماية الدولية يمكن استخدامه، في ظروف محددة، لفتح حساب مصرفي، شرط أن يكون ساري المفعول وأن يتضمن البيانات الأساسية لصاحب الطلب.
كما تشير الجمعية الإيطالية للدراسات القانونية حول الهجرة إلى أن الرقم الجبائي المؤقت المكوّن من 11 رقماً لا يفترض أن يشكل، في حد ذاته، عائقاً أمام فتح حساب مصرفي لطالب الحماية الدولية.
وتستند فلوريا أيضاً إلى ما تقول إنه توجيهات داخلية صادرة عن «البريد الإيطالي» سنة 2019، وترى أن الوثائق المتعلقة بطلب اللجوء يجب أن تكون كافية للتعريف بصاحب الطلب وفتح حساب أساسي.
«من يحترم القانون يُعاقب»
وترى الوسيطة الثقافية أن ما حدث يمثل خللاً إدارياً يمكن أن تكون له نتائج تتجاوز حالة هذا العامل التونسي.
وتقول فلوريا، وفق ما نقلته الصحيفة، إن حرمان العمال الذين يعملون بصورة قانونية من الوصول إلى الخدمات المصرفية قد يدفع بعضهم، تحت ضغط الحاجة، إلى قبول العمل غير المصرح به أو الحصول على أجور نقدية خارج القنوات الرسمية.
وتختصر موقفها بالقول إن «من يحترم القواعد يُعاقب، والاستغلال يصبح مشجعاً».
وتكتسب القضية أهمية خاصة في منطقة سهل سيباري، التي تواجه منذ سنوات تحديات مرتبطة بالعمل الموسمي للمهاجرين وظروف السكن والنقل والوصول إلى الخدمات، فضلاً عن ظاهرة استغلال العمال في بعض القطاعات الزراعية.
ليست مشكلة مشغّل يريد التهرب من القانون
وتشير الصحيفة الإيطالية إلى أن خصوصية هذه القضية تكمن في أن المشهد، بحسب الرواية المقدمة، ليس مشغّلاً يحاول التهرب من دفع الأجر أو تشغيل عامل بصورة غير قانونية.
بل يتعلق الأمر، على العكس، بمشغّل يريد دفع الأجر بصورة قانونية، وعامل يحمل عقداً نظامياً ويرغب في الحصول على مستحقاته عبر قناة مصرفية رسمية، لكن المسار الإداري يتعطل عند هذه النقطة.
وأعلنت كارمن فلوريا أنها ستواصل متابعة الملف، مؤكدة أن فريقها لن يقبل بما تعتبره مساساً بحقوق العامل، وأنه سيتم العمل على ضمان حصوله على حقه في الوصول إلى الخدمات المالية الأساسية.
وتخلص الصحيفة إلى أن مكافحة العمل القسري والاستغلال والعمالة غير المصرح بها لا تتطلب فقط مطالبة العمال وأصحاب العمل باحترام القانون، وإنما تستوجب أيضاً أن تكون الإجراءات الإدارية والمصرفية قادرة فعلياً على تمكينهم من تطبيقه.
وفي حالة العامل التونسي، تبدو المفارقة واضحة: شخص يعمل بعقد قانوني، وصاحب عمل يريد دفع راتبه بصورة قانونية، لكن الراتب يظل معلقاً بسبب عقبة إدارية يفترض أن القانون نفسه قد وضع آليات لتجاوزها.
