تخيل مشهداً سينمائياً مقلوباً: قوارب خشبية متهالكة تشق أمواج البحر الأبيض المتوسط، هاربةً من الفقر والاضطهاد والرواتب الهزلية في أوروبا، ومتجهةً صوب الشواطئ التونسية بحثاً عن لقمة العيش والأمان! لا داعي لفرك عينيك ذهولاً، فهذه ليست نبوءة للمستقبل، بل هي صفحة منسية ومثيرة جداً من تاريخنا القريب.
قبل أن تصبح الهجرة «شمالاً»، كانت البوصلة تشير بكل قوة نحو «الجنوب». ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم تكن القوارب تبحر من تونس إلى صقلية، بل كانت تهرب من جزيرة صقلية الإيطالية لتلقي مرساها في الموانئ التونسية. نزوح فريد من نوعه، جعل تونس العاصمة في وقت من الأوقات «المدينة الأكثر صقلية خارج صقلية»!
سر الطبخة: الفقر والهروب من الأسياد
ما الذي يدفع مواطناً أوروبياً لركوب البحر والمخاطرة بحياته؟ الجواب الكلاسيكي: الفقر والظلم. في تلك العقود، كان العامل الزراعي الصقلي يقضي يوماً كاملاً من الكدح القاتل تحت أشعة الشمس، ليتقاضى في النهاية ما يكفي بالكاد لشراء كيلوغرامين من الخبز، كيلوغرام من المقرونة، وقنينة نبيذ. وفي المقابل، كانت العائلات النبيلة والكنيسة تكنز ثروات طائلة، مستعينة بـ «الكامبييري» (الحراس المستبدين) الذين زرعوا الرعب وكانوا النواة الأولى لظهور المافيا.
أمام هذا الوضع البائس، وجد آلاف الصقليين الحل في «الحرقة» التاريخية نحو تونس. وجاءوا من مدن الساحل مثل تراباني، ومازارا ديل فالو، ولمبيدوزا، بملابسهم الرثة، وشباك صيدهم، وأحلامهم الكبيرة.

غزو صقلي بـ «الكليفات».. واللغة «صابر»!
لم يهاجر الصقليون فرادى، بل هاجروا على شكل قبائل وعائلات ممتدة تُدعى «الكليفات» . كانوا يأخذون معهم كل شيء: زوجاتهم، أطفالهم، قواربهم، شباكهم، وحتى تماثيل قديسيهم!
وعندما استقروا في تونس، حدثت المفاجأة الطريفة: تونس لم تبتلعهم، وهم لم يعزلوا أنفسهم، بل حدث اندماج مذهل طُبخ على نار هادئة. في شوارع «حلق الوادي» الميناء الشهير لتونس العاصمة، وكذلك في صفاقس، والمهدية، وقليبية، وبنزرت، لم تكن تسمع سوى اللهجة الصقلية. بل إنهم أحيوا لغة أسطورية قديمة كانت بمثابة «الفرانكو عربية» لعصرهم، وتُدعى لغة «السبير» أو «الصابر» ، وهي خليط عجيب يفهمه كل بحارة المتوسط.
الأطرف من ذلك، أن هؤلاء المهاجرين الإيطاليين تعلموا من الصيادين التونسيين تقنيات الصيد الحديثة والمطورة، ليتفوقوا لاحقاً ويحتكروا تجارة التمور والأنشطة الزراعية، ويصبحوا -يا للمفارقة- هم بناة تونس الحديثة!

المعاهدة العجيبة: إيطاليون مدللون أكثر من التونسيين!
بلغت الإثارة ذروتها عام 1868، عندما وُقعت المعاهدة الإيطالية التونسية. هذه المعاهدة منحت الصقليين حقوقاً يحلم بها أي مهاجر اليوم: حرية الصيد الكاملة، محاكم قنصلية خاصة بهم، والإعفاء التام من الضرائب الجمركية. لقد كانوا -بالمعنى الحرفي- يعامَلون في تونس معاملة أفضل من التونسيين أنفسهم!
ولأنهم يعشقون التعددية، يمكنك أن تجد حتى اليوم في كنيسة القديس أوغسطينوس والقديس فيديل في حلق الوادي، ثلاثة مزارات لثلاث عذراوات مختلفات (سيدة لورد، سيدة جبل الكرمل، وسيدة تراباني) في نفس الفضاء، لكي تصلي كل جالية فرنسية أو مالطية أو صقلية لـ «عذرائها المفضلة» تحت سقف واحد بروح رياضية عالية.

التاريخ يسخر من نفسه: قلب الأدوار المذهل!
لكن دوام الحال من المحال. دخلت فرنسا تونس عام 1881 وفرضت الحماية، وبدأت تضيق الخناق على الإيطاليين بـ «الفرنسة الإجبارية». وبعد استقلال تونس عام 1956، حزم ما يقارب 87 ألف صقلي حقائبهم وعادوا إلى إيطاليا، واستقر أغلبهم في مدينة «مازارا ديل فالو».
وهنا تأتي النكتة التاريخية الأجمل، والقفزة السينمائية التي تجعل المتوسط يبتسم بسخرية: مدينة «مازارا ديل فالو» الصقلية، التي كانت لقرن كامل أكبر مصدّر للمهاجرين نحو تونس، هي اليوم المركز الرئيسي والميناء الأول للصيادين التونسيين المهاجرين في صقلية!
التونسيون اليوم يعيشون ويعملون في نفس الشوارع التي غادرها أجداد المهاجرين الصقليين، ويبحرون في نفس الطرق البحرية، وكأن البحر الأبيض المتوسط يعيد تدوير قصصه، ويذكرنا بأن الهجرة ليست سوى عجلة تدور، واليوم لك وغداً عليك!
- صاحب المقال: فابيو غراناتا
- (Fabio Granata)
- المصدر: موقع بارباديللو الإيطالي
- (Barbadillo.it)