الرئيسيةآخر الأخبارعندما يغيب الماء المعلّب… يحضر التونسيون بالنكتة: «أخرجوا البغال ولنذهب للبحث عن...

عندما يغيب الماء المعلّب… يحضر التونسيون بالنكتة: «أخرجوا البغال ولنذهب للبحث عن ما تيسّر من الماء»

في تونس، يبدو أن أزمة الماء المعلّب تجاوزت مرحلة البحث عن القارورة في رفوف المتاجر، لتدخل مرحلة جديدة عنوانها: البحث عن الماء بالنكتة!

فمع استمرار الندرة التي طالت المياه المعلّبة في عدد من المناطق، وجد التونسيون في السخرية وسيلة للتعبير عن واقع يومي أصبح أقرب إلى مشهد عبثي. وكعادتهم، عندما تضيق السبل، يفتحون باب النكتة على مصراعيه.

على صفحة حي الغزالة بالريانة على موقع فايسبوك، تحولت أزمة الماء إلى ما يشبه «ملحمة شعبية» إلكترونية، بعدما كتب أحد الأعضاء ساخراً:

«هيا إنهضوا يا قوم وأخرجوا البغال ولنذهب للبحث عما تيسّر من الماء».

blank

ولم تتوقف الحكاية عند هذا الحد، إذ تحولت التعليقات إلى خريطة عسكرية افتراضية للبحث عن الماء، فقُسّمت «القبائل» بحسب الاتجاهات: مجموعة تتجه شمالاً، وأخرى نحو الجنوب الشرقي، فيما اختار «أبناء الصحافة» طريق بني جعفر.

وكأن الأمر يتعلق بحملة عسكرية لاستعادة مورد نادر، لا برحلة عادية لاقتناء قوارير ماء.

ثم جاء تعليق آخر ليزيد المشهد سخرية، حين قال صاحبه إنه اتجه نحو آبار بدر، لكنه اصطدم بـ«قافلة أبو سفيان» التي هربت بالماء نحو الساحل.

وفي تعليق آخر، تحولت الأزمة إلى رحلة عطش طويلة بين المناطق، من بني سمية إلى بني النخيلات، بحثاً عن «قليل من الماء» يسد العطش.

أما أكثر التعليقات اختصاراً وربما أكثرها دلالة، فجاء على طريقة الأمثال الشعبية:

«الماء موجود في الغزالة… هكذا يكون المعطى الذي لا يعطى».

لكن التونسيين لم يكتفوا بالسخرية من رحلة البحث عن الماء، بل أدخلوا حتى ثقافة الانتظار والاصطفاف والتزويد في قاموس النكتة.

أحد المشاركين سأل ساخراً إن كانت المجموعة قد تحولت إلى «مجموعة للتعارف وتجاذب أطراف الحديث في انتظار قدوم الماء المعدني»، قبل أن يتحدث عن «بوادر التضومير» وعن ضرورة التحرك في مجموعات لا تقل عن أربعة أشخاص، مع اقتراح أن يكون أفراد المجموعة من كبار السن، في مشهد ساخر يعكس حجم المفارقة بين حاجة الناس إلى الماء وبين الطريقة التي أصبحوا يتعاملون بها مع ندرة القوارير.

blank

النكتة… سلاح من لا سلاح له

قد تبدو هذه التعليقات مجرد مزاح على موقع للتواصل الاجتماعي، لكنها في الواقع تكشف جانباً مهماً من طريقة تعامل التونسي مع الأزمات.

فحين يعجز المواطن عن تغيير الواقع، فإنه يحاول على الأقل تحويله إلى مادة للضحك.

النكتة هنا ليست إنكاراً للأزمة، بل ربما هي شكل من أشكال الاحتجاج عليها. فالسخرية تسمح للمواطن بأن يقول ما يريد بطريقة تصل بسرعة إلى الآخرين، وتنتشر أكثر من البيانات الرسمية والتصريحات الإدارية.

وفي أزمة تمس حاجة أساسية مثل الماء، تصبح المفارقة أكبر: المواطن يبحث عن قارورة، والمتجر يبحث عن مورد، والسلطات تبحث عن حلول، بينما تبحث صفحات التواصل الاجتماعي عن أفضل نكتة تصف المشهد.

blank

وهكذا تحوّلت قارورة الماء من منتج عادي يُشترى من أقرب محل إلى موضوع للنقاش والبحث والرحلات الافتراضية وحتى «الاستراتيجيات العسكرية» الساخرة.

واللافت أن السخرية لا تخفي العطش، بل تكشفه.

فوراء كل تعليق ساخر هناك مواطن يريد الماء ببساطة، من دون رحلة بحث، ومن دون انتظار، ومن دون أن يصبح الحصول على قارورة ماء حدثاً يستحق كل هذه «التعبئة العامة».

وفي تونس، عندما يصبح الماء نادراً، قد تختفي القوارير من الرفوف… لكن يبدو أن النكتة لا تنضب أبداً.

فإذا كانت النكتة فعلاً «سلاح من لا سلاح له»، فإن التونسيين، في مواجهة أزمة الماء، أثبتوا مرة أخرى أنهم يعرفون جيداً كيف يستخدمون هذا السلاح.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى