ينما بدأت دول أوروبية في كشف حصيلة الوفيات المرتبطة بموجات الحر القياسية التي ضربت القارة خلال صيف 2026، تجد تونس نفسها أمام مفارقة لافتة: تحذيرات متصاعدة، حالات ضربات شمس، وفيات معلنة من جهات حقوقية وطبية، وضغط على أقسام الاستعجالي والإنعاش… لكن دون أي حصيلة رسمية منشورة من وزارة الصحة حتى الآن.
وتشير تقارير صحية أولية إلى أن موجات الحر القاسية في أوروبا تسببت في أكثر من 35 ألف حالة وفاة إضافية خلال صيف 2026، في حصيلة تكشف حجم التداعيات الصحية لدرجات الحرارة القصوى التي أصبحت ظاهرة متكررة خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب الأرقام المتداولة، سجلت ألمانيا نحو 15 ألفاً و800 وفاة مرتبطة بارتفاع الحرارة، في رقم قياسي، فيما أعلنت فرنسا عن أكثر من 7 آلاف و300 وفاة إضافية، وسجلت إسبانيا قرابة 4 آلاف و500 وفاة بين يونيو وأغسطس، بينما ارتبطت موجات الحر في المملكة المتحدة بنحو ألفين و700 وفاة.
وتبلغ حصيلة هذه الدول الأربع وحدها أكثر من 30 ألف وفاة، بينما ترفع الوفيات المسجلة في دول أوروبية أخرى التقديرات الإجمالية إلى أكثر من 35 ألفاً، وفق التقارير الأولية.
وماذا عن تونس؟
في تونس، لا تزال الصورة الرسمية غائبة.
ففي الوقت الذي شهدت فيه البلاد موجات حر شديدة وصلت درجات الحرارة خلالها في بعض المناطق إلى مستويات قاربت 50 درجة مئوية، لم تنشر وزارة الصحة، إلى حد الآن، حصيلة رسمية للوفيات أو الإصابات التي يمكن ربطها بموجات الحر.
لكن غياب الرقم الرسمي لا يعني غياب المؤشرات المقلقة.
فقد أعلن رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان، وجيه ذكار، ليلة الجمعة-السبت، عن تسجيل 13 حالة وفاة خلال 24 ساعة، في معطيات أثارت جدلاً واسعاً، خصوصاً في ظل عدم صدور حصيلة رسمية من وزارة الصحة تؤكدها أو تنفي ارتباطها بالحرارة.
وفي صفاقس، تحدثت المعطيات ذاتها عن استقبال 21 شخصاً مصاباً بضربة شمس كانت حالاتهم تستوجب الإيواء بقسم الإنعاش، فيما تم تسجيل ست حالات بالمستشفى، من بينها حالة وفاة لسجين.
السجون تحت وطأة الحرارة
ولم تقتصر المخاوف على المؤسسات الصحية.
فقد أفاد فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقفصة بوفاة سجين بالسجن المدني بقفصة، فيما تحدث فرع الرابطة بالمهدية عن تدهور الوضع الصحي لسجينين داخل سجن المهدية، استوجب نقلهما إلى قسم الإنعاش.
وتربط الجهات الحقوقية هذه التطورات بالظروف الصعبة داخل بعض المؤسسات السجنية، بما في ذلك الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة، بينما تؤكد الإدارة العامة للسجون والإصلاح أن المساجين يتمتعون بالرعاية الصحية اللازمة وأن الحالات التي تستوجب تدخلاً طبياً أو نقلاً إلى المستشفى يتم التكفل بها.
وبين الروايتين، يبقى السؤال الأهم: كم عدد الأشخاص الذين توفوا أو أصيبوا فعلاً جراء موجة الحر في تونس؟
الجواب الرسمي ما زال غائباً.
أوروبا تحصي… وتونس لا تعلن
المفارقة لا تتعلق فقط بعدد الوفيات، وإنما أيضاً بطريقة إدارة المعلومة الصحية.
ففي أوروبا، تتحول الوفيات المرتبطة بالحر إلى أرقام ودراسات وتقديرات رسمية وشبه رسمية تساعد السلطات على تقييم مخاطر الظاهرة المناخية ووضع خطط للتعامل معها.
أما في تونس، فإن المواطن لا يزال يعتمد على أخبار متفرقة تصدر عن أطباء أو منظمات حقوقية أو ناشطين، دون أن تكون هناك لوحة أرقام رسمية توضح عدد الوفيات، وعدد المصابين بضربات الشمس، وعدد الحالات التي استوجبت الإنعاش، أو الفئات الأكثر تضرراً.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد رقم.
فالإحصاء في مثل هذه الظروف ليس ترفاً إعلامياً، بل أداة ضرورية لتقييم حجم الخطر الصحي، وتحديد المناطق والفئات الأكثر هشاشة، وقياس قدرة المستشفيات على الاستجابة، وتحديد ما إذا كانت الإجراءات الوقائية المتخذة كافية أم لا.
«عفو إنساني ومناخي» وطوارئ صحية
وأمام هذه التطورات، دعت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى التفكير في «عفو إنساني ومناخي» لفائدة عدد من المساجين، في ظل الظروف المناخية الاستثنائية والاكتظاظ داخل السجون.
كما دعت المنظمة التونسية للأطباء الشبان إلى إعلان حالة طوارئ صحية، محذرة من الضغط الكبير على أقسام الاستعجالي والإنعاش، ومن الإرهاق الذي يواجهه الإطار الطبي وشبه الطبي في عدد من المؤسسات الصحية.
ومع استمرار درجات الحرارة المرتفعة، يصبح الصمت الرقمي والرسمي أكثر إثارة للتساؤل.
أوروبا بدأت تعدّ ضحايا الحر… أما تونس، وبعد موجات حر قاربت 50 درجة، فلا تزال وزارة الصحة لم تنشر حتى الآن رقماً رسمياً واحداً عن عدد الوفيات والإصابات المرتبطة بهذه الموجات.
فهل كانت تونس فعلاً «برداً وسلاماً» أمام هذا الحر القاتل، أم أن غياب الأرقام الرسمية يخفي ببساطة حجم الكارثة الصحية؟
