رغم أن التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025، الصادر في جوان 2026، حمل العديد من المؤشرات الإيجابية، مثل ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي إلى 2.5%، وتراجع التضخم إلى أقل من 5%، وانخفاض نسبة البطالة إلى 15.2%، فإن الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي يرى أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة حقيقة الوضع الاقتصادي، بل تخفي وراءها اختلالات هيكلية عميقة تستحق التوقف عندها.
ويؤكد الشكندالي، في قراءة نقدية للتقرير، أن الوثيقة الرسمية تبرز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود خلال سنة 2025، مستفيداً من موسم فلاحي جيد وانتعاش السياحة وتحسن إنتاج الفوسفات، لكنها في المقابل لا تقدم تفسيراً كافياً لجملة من المؤشرات التي يعتبرها مقلقة بالنسبة إلى مستقبل الاقتصاد.
من أكثر النقاط التي توقف عندها الشكندالي الأرقام المتعلقة بسوق الشغل. فالتقرير يتحدث عن تراجع البطالة من 16.5% إلى 15.2%، لكن الخبير يرى أن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد وفر فرص عمل جديدة.
ويشرح الأمر بلغة مبسطة قائلاً إن نسبة البطالة تُحسب انطلاقاً من عدد الأشخاص الموجودين في سوق الشغل. فإذا غادر آلاف الشباب البلاد عبر الهجرة النظامية أو غير النظامية، أو توقفوا عن البحث عن عمل بسبب اليأس، فإن عدد الباحثين عن شغل ينخفض، فتتراجع نسبة البطالة حسابياً حتى وإن لم تُخلق وظائف جديدة.
ويستند في ذلك إلى معطيات وردت في التقرير نفسه، والتي تشير إلى تقلص عدد السكان النشيطين اقتصادياً بشكل لافت، معتبراً أن ذلك قد يعكس نزيفاً بشرياً أكثر مما يعكس تحسناً حقيقياً في التشغيل.
البنوك… من المستفيد؟
كما ينتقد الشكندالي الطريقة التي تناول بها التقرير انعكاسات الفصل 412 من قانون المالية لسنة 2024، الذي خفّض أعباء الفوائد على عدد من القروض ذات النسبة القارة.
ويرى أن التقرير ركز على تراجع أرباح القطاع البنكي، في حين لم يتطرق، بحسب رأيه، إلى التأخير الذي عرفه تطبيق القانون بالنسبة إلى عدد من الحرفاء، ولا إلى تأثير ذلك على المقترضين.
ويعتبر أن البنك المركزي بدا، في هذه النقطة، أكثر اهتماماً بأداء البنوك من اهتمامه بحقوق المواطنين، وهو ما يصفه بانحياز لصالح المنظومة المصرفية.
خفض الفائدة… لكن الاستثمار لم يستفد
ومن بين أبرز المفارقات التي يسلط عليها الضوء، أن البنك المركزي أعلن خلال سنة 2025 عن تخفيض نسبة الفائدة الرئيسية لدعم الاستثمار، إلا أن التمويل الموجه للمؤسسات الاقتصادية بقي ضعيفاً.
ويفسر الشكندالي ذلك بأن البنوك فضلت توجيه جزء كبير من أموالها إلى تمويل الدولة عبر شراء رقاع الخزينة، باعتبارها أقل مخاطرة من تمويل المؤسسات الخاصة، وهو ما أدى، وفق تحليله، إلى استمرار صعوبة حصول المستثمرين على التمويلات اللازمة لإنجاز مشاريعهم.
تراجع الدين الخارجي… هل هو خبر جيد؟
ويقدم التقرير انخفاض نسبة الدين الخارجي كأحد أبرز إنجازات سنة 2025، غير أن الشكندالي يدعو إلى قراءة هذا المؤشر من زاوية مختلفة.
فبرأيه، لم يتراجع الاقتراض الخارجي لأن الدولة قررت التخلي عنه، وإنما بسبب تراجع إمكانية الحصول على قروض خارجية بعد تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وهو ما دفع الدولة إلى الاعتماد بشكل أكبر على الاقتراض الداخلي، بما يحمله ذلك من ضغوط على السيولة المحلية.
الطاقة… نقطة ضعف مستمرة
ويشير الخبير أيضاً إلى أن التقرير يعترف بأن العجز الطاقي يظل أحد أهم أسباب العجز التجاري، في وقت يتواصل فيه تراجع إنتاج النفط والغاز مقابل ارتفاع الواردات.
ورغم الحديث عن الانتقال نحو الطاقات المتجددة، يرى الشكندالي أن الاستثمار في هذا المجال لا يزال دون المستوى المطلوب، الأمر الذي يبقي الاقتصاد التونسي رهين تقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
احتياطي العملة… تراجع يستوجب الحذر
كما لفت إلى أن احتياطي البلاد من العملة الأجنبية تراجع من مستوى يغطي 121 يوماً من التوريد في نهاية سنة 2024 إلى 106 أيام فقط في نهاية سنة 2025، معتبراً أن هذا التطور يستدعي اليقظة لأنه يقلص هامش الأمان المالي في مواجهة الأزمات الخارجية.
بين الأرقام والواقع
ويخلص رضا الشكندالي إلى أن التقرير السنوي للبنك المركزي يقدم صورة تحمل مؤشرات إيجابية على مستوى الأرقام، لكنه يعتبر أن هذه النتائج تعكس في جزء منها عوامل ظرفية، مثل الموسم الفلاحي الجيد وتحسن النشاط السياحي، أكثر مما تعكس معالجة فعلية للمشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد التونسي.
وبين قراءة البنك المركزي وقراءة الخبير الاقتصادي، يبقى السؤال المطروح: هل بدأت تونس فعلاً في تجاوز أزمتها الاقتصادية، أم أن بعض المؤشرات الإيجابية تخفي تحديات أعمق ستظهر آثارها خلال السنوات المقبلة؟
