أغلقت محكمة التعقيب، اليوم الخميس 3 سبتمبر 2026، المسار القضائي في قضية «التآمر على أمن الدولة»، بعد رفضها مطالب التعقيب المقدمة ضد الأحكام الصادرة عن الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس، لتصبح الأحكام الاستئنافية مثبتة ونهائية في المسار القضائي العادي.
وكانت محكمة التعقيب قد نظرت اليوم في الطعون التي تقدم بها المتهمون في القضية التي شملت أكثر من أربعين شخصاً، بعد الأحكام الصادرة عن محكمة الاستئناف في نوفمبر 2025، والتي تضمنت أحكاماً بالسجن تراوحت بين 5 و45 سنة في حق عدد من المتهمين.
وكانت جلسة التعقيب تمثل، وفق منظمة العفو الدولية، آخر طريق قضائي متاح لإلغاء الأحكام أو نقضها وإعادة القضية إلى محكمة الاستئناف.
ماذا يعني رفض التعقيب؟
رفض مطالب التعقيب يعني أن الأحكام الصادرة في الطور الاستئنافي لم تعد قابلة للطعن أمام محكمة التعقيب في إطار المسار القضائي العادي، وبالتالي تدخل القضية مرحلة تنفيذ الأحكام.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى ثقل العقوبات التي صدرت في الملف، إذ تراوحت الأحكام في الطور الاستئنافي بين 5 و45 سنة سجناً، مع صدور أحكام بالبراءة لفائدة ثلاثة متهمين، من بينهم نور الدين البحيري، ولزهر العكرمي ووحطاب سلامة، وفق المعطيات المتعلقة بالملف.
وبذلك، لم يعد أمام المحكوم عليهم مسار قضائي عادي يمكن من خلاله طلب إعادة النظر في أصل القضية أمام درجة قضائية أعلى.
هل يبقى العفو الخاص؟
بعد استنفاد درجات التقاضي، يبرز العفو الخاص من رئيس الجمهورية باعتباره أحد المسارات غير القضائية التي يمكن أن تؤثر في تنفيذ العقوبات.
وينص الفصل 99 من الدستور التونسي على أن لرئيس الجمهورية حق العفو الخاص.
والعفو الخاص يختلف عن إلغاء الحكم أو الحكم بالبراءة، إذ يتعلق بالعقوبة وآثار تنفيذها، ولا يعني في حد ذاته أن القضاء تراجع عن الإدانة الصادرة.
وبالتالي، فإن أي إفراج عن المحكوم عليهم عن طريق العفو الخاص سيكون قراراً منفصلاً عن المسار القضائي الذي انتهى بقرار محكمة التعقيب.
وماذا عن المحامين؟
من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة مسألة استمرار التواصل بين المحامين والمساجين.
وقد أثارت منظمات حقوقية تونسية ودولية خلال الفترة الماضية مخاوف بشأن ظروف احتجاز عدد من المتهمين في القضية، كما تم تسجيل انتقادات متعلقة بحقوق الدفاع وإمكانية التواصل مع المحامين.
لكن من الناحية القانونية، لا يعني صدور حكم بات بصورة آلية سقوط حق السجين في مقابلة محاميه. لذلك فإن الحديث عن حرمان نهائي من مقابلة المحامين يحتاج إلى قرار أو إجراء رسمي يفرض هذا المنع، ولا يمكن اعتباره نتيجة تلقائية لقرار محكمة التعقيب.
وقد أعربت منظمة «يورو-ميد للحقوق» عشية جلسة التعقيب عن قلقها إزاء احترام ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ودعت إلى ضمان استقلال القضاء وحياده واحترام حقوق المتهمين.
منظمات دولية تعتبر القضية غير عادلة
قرار محكمة التعقيب يأتي في وقت صعّدت فيه منظمات حقوقية دولية انتقاداتها لمسار القضية.
فقد اعتبرت منظمة العفو الدولية أن المحاكمة الجماعية شابتها انتهاكات لضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، ودعت السلطات التونسية إلى إلغاء الأحكام والإفراج عن الأشخاص الذين تعتبرهم محتجزين تعسفياً. كما وصفت جلسة التعقيب بأنها آخر فرصة قضائية لإلغاء الأحكام.
من جهتها، جددت «يورو-ميد للحقوق» دعوتها إلى احترام حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، معتبرة أن القضية تثير مخاوف جدية بشأن الضمانات القانونية.
وكانت منظمات حقوقية دولية قد انتقدت أيضاً الأحكام الثقيلة الصادرة في الملف، في حين عبّرت عائلات عدد من المعتقلين ومحامو الدفاع عن اعتراضهم على مسار القضية وطريقة سير المحاكمة.
نهاية المسار القضائي وبداية مرحلة جديدة
قرار محكمة التعقيب يضع قضية «التآمر على أمن الدولة» أمام مرحلة مختلفة تماماً. فبعد انتهاء مسار الطعن العادي، يصبح تنفيذ الأحكام هو المسار الأساسي، بينما تظل إمكانية العفو الخاص من رئيس الجمهورية مطروحة كمسار منفصل عن القضاء.
وفي المقابل، يبقى ملف ظروف السجن وحقوق الدفاع والتواصل مع المحامين محل متابعة، خصوصاً في ظل الانتقادات التي وجهتها منظمات حقوقية تونسية ودولية إلى طريقة إدارة القضية.
وهكذا، فإن السؤال بعد قرار محكمة التعقيب لم يعد متعلقاً بدرجة قضائية أخرى يمكن اللجوء إليها، وإنما بما إذا كانت ستُستخدم صلاحية العفو الخاص أو أي آليات قانونية استثنائية أخرى، وبما ستؤول إليه أوضاع المحكوم عليهم في مرحلة تنفيذ الأحكام.
وتظل قضية «التآمر» واحدة من أكثر القضايا القضائية والسياسية إثارة للجدل في تونس منذ فتحها في فيفري 2023، بعدما شملت شخصيات سياسية ومحامين ورجال أعمال وناشطين، وأفضت في طور الاستئناف إلى أحكام سجنية ثقيلة وصلت إلى 45 سنة.
