مع اشتداد الحرارة هذا الصيف في تونس، بدأ سؤال يتردد بين المواطنين: هل كل هذا الحر مقدمة لخريف ممطر بغزارة وشتاء شديد البرودة؟ وهل يمكن أن تنقلب تونس، بعد أسابيع من الحرارة القياسية، إلى أمطار طوفانية وسيول وفيضانات؟
الإجابة العلمية أبسط مما تبدو: لا، الحرارة الشديدة لا تعني بالضرورة أمطاراً طوفانية ولا شتاءً قارساً.
صحيح أن صيف 2026 كان استثنائياً من الناحية الحرارية، فقد أكد المعهد الوطني للرصد الجوي أن شهر جويلية سجل معدل حرارة وطنياً بلغ 31.7 درجة مئوية، أي بزيادة 3.4 درجات عن المعدل المناخي. لكن هذا الارتفاع الكبير في الحرارة لا يسمح وحده بالتنبؤ بما سيحدث خلال الخريف والشتاء.
حرارة قياسية… ولكن ماذا عن المطر؟
المعطى الأكثر أهمية بالنسبة إلى المواطن التونسي هو أن أحدث التوقعات الموسمية للمعهد الوطني للرصد الجوي لا تشير إلى خريف جاف تماماً، لكنها أيضاً لا تتحدث عن موسم طوفاني.
التوقعات الخاصة بفترة أوت وسبتمبر وأكتوبر 2026 تشير إلى درجات حرارة أعلى من المعدلات العادية، مع إمكانية تسجيل كميات أمطار تفوق المعدلات بقليل. كما يشدد المعهد على أن الأمطار الخريفية في تونس تتسم بتفاوت كبير من منطقة إلى أخرى ومن فترة إلى أخرى.
وهذا يعني ببساطة أن المواطن قد يعيش أسبوعاً حاراً وجافاً، ثم تأتي في أيام قليلة أمطار غزيرة في بعض المناطق، بينما لا تحصل مناطق أخرى على الكميات نفسها.
لماذا يمكن أن تتساقط أمطار غزيرة بعد صيف شديد الحرارة؟
الحرارة المرتفعة، وخاصة حرارة البحر، توفر كمية أكبر من الطاقة والرطوبة في الغلاف الجوي. لكن ذلك لا يكفي وحده لصناعة عاصفة.
حتى تتحول الرطوبة والحرارة إلى أمطار غزيرة، يجب أن تصل إلى المنطقة اضطرابات جوية مناسبة، مثل المنخفضات المتوسطية والهواء البارد في الطبقات العليا.
لذلك يمكن أن يكون الصيف شديد الحرارة ثم يأتي الخريف بأمطار عادية، ويمكن أيضاً أن تشهد تونس خلال أيام محدودة أمطاراً غزيرة جداً وسيولاً، من دون أن يعني ذلك أن كامل الموسم سيكون ممطراً.
وهنا تكمن المفارقة التي قد لا ينتبه إليها المواطن: ارتفاع مجموع الأمطار خلال موسم كامل لا يعني بالضرورة أن الأمطار ستكون موزعة بشكل جيد.
قد تسقط كمية كبيرة من المطر خلال ساعات قليلة فتتسبب في فيضانات، ثم تمر أسابيع من الجفاف.
هل نحن أمام خريف طوفاني؟
حتى الآن، لا توجد معطيات علمية تسمح بهذا الاستنتاج.
التوقع الرسمي يتحدث عن أمطار أعلى بقليل من المعدلات، وليس عن موسم استثنائي أو أمطار طوفانية في كامل البلاد. كما أن التنبؤات الموسمية لا تستطيع، منذ الآن، تحديد مكان العواصف أو قوتها أو كمية الأمطار التي ستسقط خلال يوم معين.
وهذا مهم جداً بالنسبة إلى تونس، لأن الخطر لا يرتبط فقط بكمية الأمطار السنوية، وإنما أحياناً بسرعة سقوطها خلال فترة قصيرة.
فـ50 مليمتراً موزعة على عدة أيام ليست مثل 50 مليمتراً تسقط في ساعتين.
وهل سيكون الشتاء قارساً؟
هنا أيضاً لا توجد علاقة مباشرة بين حرارة الصيف وبرودة الشتاء.
بمعنى آخر، لا يمكن القول: « بما أن صيف تونس كان شديد الحرارة، فإن الشتاء سيكون شديد البرودة. »
الشتاء تحكمه منظومات جوية مختلفة، ولذلك يمكن أن يكون دافئاً في مجمله مع تسجيل موجات برد قوية خلال فترات قصيرة، أو يكون أكثر برودة من المعتاد في بعض الفترات.
أما التنبؤ الدقيق بدرجات حرارة الشتاء المقبل في تونس، فما زال مبكراً جداً.
الخبر الجيد للمواطن والفلاح
إذا ثبتت توقعات الأمطار فوق المعدلات خلال الخريف، فإن ذلك قد يكون خبراً مهماً لتونس، خصوصاً بعد سنوات من الإجهاد المائي.
لكن المهم ليس فقط أن تمطر، وإنما كيف تمطر وأين تمطر ومتى تمطر.
فالأمطار المنتظمة التي تتسرب إلى التربة وتغذي الموائد المائية وتدعم السدود والزراعات أكثر فائدة من أمطار غزيرة جداً خلال ساعات تنتهي بجريان المياه والفيضانات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في تونس ليس: هل سيأتي المطر؟
بل: هل سيأتي المطر بالشكل الذي تحتاجه البلاد؟
المؤشرات الحالية تمنح بعض الأمل: خريف أكثر حرارة من المعتاد، مع احتمال زيادة طفيفة في الأمطار. لكن لا توجد حتى الآن مؤشرات علمية تبرر الخوف من « طوفان » أو الاعتقاد بأن الشتاء سيكون بالضرورة قارساً.
