تستقبل تونس، ابتداء من يوم الغد الأربعاء 23 سبتمبر، وفداً اقتصادياً ألمانياً يضم 11 شركة ألمانية في مهمة استكشافية تمتد إلى غاية 25 سبتمبر، وتتركز أساساً على الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة وتخزين الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها.
وتأتي الزيارة في إطار مبادرة تصدير الطاقة الألمانية التابعة لوزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية، وبالتعاون مع الغرفتين الألمانيتين للتجارة والصناعة في تونس والجزائر.
وتندرج المهمة ضمن التحضير لتطوير فرص أعمال على امتداد ممر «ساوث إتش2» للهيدروجين الذي يفترض أن يربط شمال إفريقيا بالأسواق الأوروبية عبر إيطاليا والنمسا وصولاً إلى ألمانيا.
ماذا يفعل الوفد الألماني في تونس؟
وفق البرنامج الرسمي للزيارة، يصل الوفد إلى تونس بعد محطة في الجزائر، ويخصص يوم 23 سبتمبر للاطلاع على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في تونس، قبل عقد لقاء أعمال يتضمن عروضاً تقدمها الشركات الألمانية المشاركة، ثم لقاءات للتواصل مع المؤسسات والشركات التونسية.
أما يوم الخميس 24 سبتمبر، فيحمل الجانب الأكثر أهمية من الناحية العملية، إذ يتضمن زيارة مركز الهيدروجين وإجراء محادثات فنية، إلى جانب لقاءات مع مطور المشاريع التونسي «تونوُر»، والغرفة النقابية للطاقة الشمسية، ومنظمة «كونكت»، وعدد من مطوري مشاريع الطاقة الشمسية في تونس.
ويقول البرنامج الألماني إن الهدف من هذه اللقاءات هو تطوير التعاون بين الشركات الألمانية والتونسية، وبناء شراكات جديدة، ودفع مشاريع محددة إلى مراحل أكثر تقدماً، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا.
ليس الهيدروجين وحده على الطاولة
وتتجاوز مهمة الوفد مجرد البحث عن مشاريع لإنتاج الهيدروجين.
فالمجالات التي تستهدفها الشركات الألمانية تشمل سلسلة القيمة كاملة، من إنتاج الهيدروجين والتحليل الكهربائي، إلى الطاقة الشمسية والرياح، وتحلية المياه ومعالجتها، وتخزين الهيدروجين وضغطه، والمعدات الصناعية، وتحويل خطوط الأنابيب القائمة، والهندسة والمواد، وشهادات المنشأ ودراسات الجدوى.
وبالتالي فإن اهتمام الشركات الألمانية يمكن أن يمتد إلى الشركات التونسية التي يمكن أن تصبح موردة أو شركاء في مشاريع الطاقة الكبرى، وليس فقط إلى المستثمرين القادرين على إنتاج الهيدروجين نفسه.
العمود الفقري للهيدروجين التونسي
وتكشف الوثائق الألمانية أن أحد أهم الملفات التي ستدور حولها الاتصالات هو مشروع «العمود الفقري للهيدروجين التونسي»، وهو شبكة يفترض أن تربط مناطق إنتاج الهيدروجين، خصوصاً في الجنوب، بالبنية التحتية اللازمة لنقله نحو الأسواق الأوروبية.
وتعتبر الغرفة الألمانية للتجارة والصناعة أن ممر «ساوث إتش2» يرتبط بنحو عشرة إعلانات نوايا لمشاريع على امتداده، من بينها مشاريع إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وإعادة استخدام البنية التحتية القائمة لنقل الهيدروجين، وصولاً إلى العمود الفقري للهيدروجين في تونس.
ويحظى هذا الممر بأهمية استراتيجية لأنه يستهدف في نهاية المطاف نقل الهيدروجين من شمال إفريقيا عبر إيطاليا والنمسا إلى ألمانيا.
كما أن الاتحاد الأوروبي أدرج ممر الهيدروجين بين تونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا ضمن مشاريع البنية التحتية ذات الصلة بشبكة الهيدروجين الأوروبية، بما في ذلك الربط البحري بين تونس وإيطاليا.
ثمانية مشاريع تونسية وقعت بشأنها مذكرات تفاهم
وتدخل زيارة رجال الأعمال الألمان في سياق أوسع بدأته تونس خلال السنوات الأخيرة باستقطاب مطوري مشاريع دوليين في مجال الهيدروجين الأخضر.
وبحسب «تجارة واستثمار ألمانيا»، وقعت تونس ثماني مذكرات تفاهم مع شركات ومجموعات دولية لاستكشاف مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره إلى أوروبا.
ومن بين هذه المشاريع مشروع «إتش2 نوتوس»، ومشروع «أكوا باور»، ومشروع «هيدروجين أوف فرانس»، ومشروع «تونوُر» بالشراكة مع «أكر هورايزنز» و«فيربوند»، ومشروع «سافانا إنرجي» البريطانية، ومشروع «ديمي هاي بورت»، ومشروع «أبو إنرجي» الألمانية، إضافة إلى مشروع «أمارينكو» و«إتش2 غلوبال».
وتستهدف هذه المشاريع، وفق البيانات الألمانية، إنتاج كميات كبيرة من الهيدروجين الأخضر في تونس، خصوصاً في المناطق الجنوبية، اعتماداً على موارد الطاقة الشمسية والرياح.
«أبو إنرجي».. الحضور الألماني المباشر
ويبرز ضمن هذه المشاريع اسم شركة «أبو إنرجي» الألمانية، التي وقعت مذكرة تفاهم مع الحكومة التونسية سنة 2024 لتطوير مشاريع في مجال الهيدروجين.
وكانت الشركة قد أعلنت عن طموحات لتطوير مشاريع تعتمد على الطاقة الشمسية والرياح في تونس، وصولاً إلى منشآت كبيرة لإنتاج الهيدروجين في الجنوب.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر: فالمؤسسة الألمانية «تجارة واستثمار ألمانيا» أفادت في تقرير حديث عن قطاع الطاقة التونسي بأن مشاريع «أبو إنرجي» للهيدروجين مجمّدة حالياً، في ظل استمرار الصعوبات المتعلقة بالإطار التنظيمي وتكلفة المشاريع وإجراءات الاستثمار. وفي المقابل، لا تزال الشركة تعرض مشاريع الهيدروجين في تونس ضمن مشاريعها قيد التطوير.
وهذا يعني أن زيارة الوفد الألماني لا تعني أن الاستثمارات ستدخل غداً مرحلة التنفيذ، وإنما تأتي في جزء منها لاستكشاف إمكانية إزالة العقبات وتحويل الفرص والمشاريع المعلنة إلى شراكات قابلة للتنفيذ.
لماذا تونس مهمة لألمانيا؟
لا يتعلق الاهتمام الألماني بالهيدروجين التونسي فقط بسوق تونسية محلية، وإنما بالموقع الجغرافي للبلاد.
فالهيدروجين المنتج في شمال إفريقيا يمكن، وفق التصور الأوروبي، أن يصل إلى الأسواق الصناعية في وسط أوروبا عبر ممر «ساوث إتش2».
ولهذا تنظر ألمانيا إلى تونس والجزائر باعتبارهما جزءاً من منظومة طاقة متوسطية يمكن أن تساهم مستقبلاً في تنويع مصادر الطاقة الأوروبية.
وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد قال قبل زيارته الأخيرة إلى تونس والجزائر إن التعاون في مجال الطاقة يمثل مجالاً يمكن فيه للبلدين توحيد الجهود لتحقيق مزيد من النمو والازدهار، كما أشار إلى أهمية تونس بالنسبة إلى الصناعة الألمانية وسلاسل التوريد، وخاصة قطاع صناعة السيارات.
الطاقة الشمسية والرياح.. فرصة أخرى
ولا تقتصر مهمة الوفد على الهيدروجين، إذ يشمل برنامجه لقاءات مع مطوري مشاريع الطاقة الشمسية في تونس، وهو ما يعكس اهتمام الشركات الألمانية بسوق الطاقات المتجددة نفسها.
وتشير «تجارة واستثمار ألمانيا» إلى أن تونس شهدت خلال الفترة الأخيرة تقدماً في تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية الكبرى، رغم استمرار عدد من العراقيل الإدارية والمالية.
وفي هذا المجال، ترى المؤسسة الألمانية أن فرص الشركات الألمانية موجودة خصوصاً في المراحل الأولى من المشاريع، والهندسة، والتكنولوجيا، والخدمات المتخصصة، بينما تظل المشاريع الكبرى في مجال إنتاج الكهرباء من اختصاص مطورين دوليين كبار.
من سيستفيد إذا تحولت الزيارة إلى مشاريع؟
إذا نجحت اللقاءات الحالية في تحويل الاتصالات إلى مشاريع، فإن الاستفادة بالنسبة إلى تونس لن تقتصر على إنتاج الهيدروجين وتصديره.
فالمهمة الألمانية تشمل قطاعات يمكن أن تخلق سلسلة صناعية كاملة حول الطاقة الجديدة، من معدات التحليل الكهربائي ومحطات الطاقة المتجددة إلى تحلية المياه والتخزين والضغط والهندسة والصيانة والخدمات والاستشارات وشهادات المنشأ.
كما يمكن للشركات التونسية أن تدخل في شراكات أو عقود مناولة مع الشركات الألمانية، وهو ما قد يفتح مجالاً أمام نقل التكنولوجيا وتطوير الخبرات المحلية.
زيارة تستحق المتابعة
وتكتسب زيارة الوفد الألماني أهمية إضافية لأنها تأتي في مرحلة تحاول فيها تونس الانتقال من إعلانات النوايا والمذكرات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ في مجال الهيدروجين والطاقات المتجددة.
فالبرنامج الألماني نفسه لا يقدم الزيارة على أنها جولة بروتوكولية، بل يتحدث صراحة عن الوصول إلى حاملي المشاريع، والتعرف إلى مشاريع البنية التحتية الحالية، وبحث إمكانات التعاون وتكوين ائتلافات بين الشركات.
وبذلك فإن الأيام الثلاثة التي يقضيها الوفد في تونس ستكون اختباراً عملياً لمدى قدرة السوق التونسية على جذب الشركات الألمانية إلى مشاريع الطاقة الجديدة، خصوصاً تلك المرتبطة بالعمود الفقري للهيدروجين التونسي وممر «ساوث إتش2» نحو أوروبا.
وتبقى النقطة الأهم التي تستحق المتابعة: هل ستخرج لقاءات 23 و24 سبتمبر من مرحلة الاستكشاف إلى اتفاقات أو شراكات محددة بين شركات ألمانية وتونسية؟
