الرئيسية آخر الأخبار الإخضاع الكيميائي في تونس.. ظاهرة خفية تخرج إلى العلن لأول مرة

الإخضاع الكيميائي في تونس.. ظاهرة خفية تخرج إلى العلن لأول مرة

0
5
blank

لماذا لم نتحدث في تونس بما يكفي عن الإخضاع الكيميائي؟ ومن يعرف أصلاً أنه قد يكون ضحية لاعتداء لم يعد قادراً على تذكر تفاصيله؟

هذا السؤال يكتسب أهمية جديدة مع صدور كتاب «الإخضاع الكيميائي: لوضع حد للأفكار المسبقة» للدكتورة في الصيدلة ليلى الشواشي، الصادر عن دار  جي سي لاتاس. الكتاب، الذي يقع في 162 صفحة، لا يتعامل مع الظاهرة باعتبارها سلسلة من الوقائع المعزولة، وإنما يطرحها باعتبارها قضية صحة عامة، ويفكك العديد من الأفكار المسبقة التي تحيط بالضحايا وبالمواد المستخدمة في الاعتداءات.

وتملك الشواشي خبرة مباشرة في هذا المجال؛ فهي خبيرة وطنية في التحقيقات المتعلقة بالإخضاع الكيميائي لدى الوكالة الفرنسية للأمن الدوائي، وشاركت في أبحاث علمية حول استخدام المواد في الاعتداءات، كما أسست في أكتوبر 2024 مركز البحث والمرافقة لضحايا الاعتداءات التي تسهّلها المواد، وهو مركز متخصص في مرافقة ضحايا الاعتداءات التي تسهّلها المواد.

ليست القصة امرأة في حانة ومشروباً مخدراً

الصورة الأكثر انتشاراً للإخضاع الكيميائي بسيطة: امرأة شابة في ملهى ليلي، شخص يضع مادة في مشروبها، ثم تفقد وعيها.

لكن هذه الصورة، وفق المقاربة التي تقدمها الشواشي في كتابها، تخفي الجزء الأكبر من المشكلة.

فالضحية قد لا تكون شابة، وقد لا تكون في ملهى، وقد لا تكون قد تناولت الكحول أصلاً. ويمكن أن تقع الوقائع في المنزل أو عند أحد المعارف أو في أماكن أخرى من الحياة اليومية.

ولهذا اختارت الشواشي منذ البداية تفكيك الصورة النمطية التي تجعل من الإخضاع الكيميائي ظاهرة مرتبطة حصراً بالسهرات والملاهي. فالكتاب يضع أمام القارئ حالات محتملة لضحايا من أعمار مختلفة، وفي ظروف لا تشبه السيناريو المتداول في المخيال الشعبي.

ما هو الإخضاع الكيميائي؟

يقصد بالإخضاع الكيميائي استخدام مادة ذات تأثير نفسي أو عصبي على شخص من دون علمه أو من دون موافقته، بهدف ارتكاب جريمة أو اعتداء بحقه.

وفي سياق الاعتداءات الجنسية، يمكن أن تؤدي هذه المواد إلى تغيير حالة الوعي أو القدرة على المقاومة أو القدرة على تذكر ما حدث.

وهنا يجب التمييز بين الإخضاع الكيميائي وبين ما يعرف بـالهشاشة الكيميائية.

في الحالة الأولى، تكون المادة قد أعطيت للضحية من دون علمها.

أما في الحالة الثانية، فيستغل المعتدي حالة شخص تناول بمحض إرادته الكحول أو مادة أخرى وأصبح في وضع يقلل قدرته على المقاومة أو اتخاذ القرار.

والفرق مهم، لكن النتيجة واحدة: لا يمكن تحميل الضحية مسؤولية الاعتداء الذي تعرضت له.

«مخدر الاغتصاب» ليس مادة واحدة

من أكثر الأفكار رسوخاً أن الإخضاع الكيميائي يعني استعمال مادة محددة، وفي مقدمتها ال « جي بي هاش »، الذي أصبح يعرف شعبياً باسم «مخدر الاغتصاب».

لكن هذا الاختزال لا يعكس تعقيد الظاهرة.

فالمواد التي يمكن أن تكون مرتبطة بالاعتداءات تشمل مواد ذات تأثيرات مختلفة على الجهاز العصبي، ويمكن أن تؤثر في الوعي والذاكرة والسلوك والقدرة على المقاومة.

وتشير الشواشي، من خلال عملها العلمي والمهني، إلى أن التركيز على مادة واحدة يمكن أن يؤدي إلى فقدان جزء من الصورة الحقيقية للظاهرة، ولذلك فإن التعامل معها يتطلب معرفة طبية وسمّية دقيقة، وليس مجرد البحث عن مادة بعينها.

أخطر ما في الظاهرة: الضحية قد لا تعرف ما حدث لها

ربما تكمن إحدى أكثر خصائص الإخضاع الكيميائي إثارة للقلق في تأثير بعض المواد على الذاكرة.

فالشخص قد يعيش فترة من اضطراب الوعي أو فقدان الذاكرة الجزئي أو الكامل، ثم يستعيد وعيه من دون القدرة على إعادة بناء ما حدث.

وقد يكون لديه إحساس بأن شيئاً غير طبيعي وقع، لكنه لا يعرف بالضبط ماذا حدث، ولا متى، ولا من كان موجوداً.

وهنا تظهر مفارقة خطيرة: غياب الذاكرة يمكن أن يصبح أحد أسباب غياب الشكوى.

فالضحية التي لا تتذكر الوقائع قد لا تعتبر نفسها ضحية أصلاً.

وقد تفسر ما حدث بالتعب أو الكحول أو المرض أو فقدان الوعي، أو قد تخشى ألا يصدقها المحيطون بها لأنها لا تستطيع تقديم رواية متماسكة لما جرى.

الدليل قد لا ينتظر طويلاً

هناك أيضاً عامل الزمن.

فبعض المواد يمكن أن تختفي من الجسم خلال فترة قصيرة، وهو ما يجعل سرعة التكفل الطبي وإجراء التحاليل أمراً بالغ الأهمية في الحالات المشتبه فيها.

وهذا يطرح تحدياً خاصاً أمام الطب الشرعي: الضحية قد لا تدرك أنها تعرضت لاعتداء إلا بعد ساعات أو أيام، بينما يكون البحث عن بعض المواد أكثر صعوبة كلما طال الزمن.

وفي بعض الحالات يمكن أن تكون عينات الشعر مفيدة في التحقيقات، بحسب المادة والظروف والفترة الزمنية التي تفصل بين الواقعة والفحص.

لذلك لا يكفي أن نقول للضحية «اذهبي إلى المستشفى إذا كنت متأكدة مما حدث».

المشكلة أن الضحية قد لا تكون متأكدة أصلاً.

لماذا قد تبقى الظاهرة غير مرئية؟

الإخضاع الكيميائي يتميز بمشكلة إضافية: جزء من الحالات قد لا يدخل أصلاً في الإحصاءات.

فالضحية التي لا تتذكر، والتي لا تعرف إن كانت تعرضت لاعتداء، قد لا تتوجه إلى المستشفى.

ومن تتوجه إلى المستشفى قد تصل بعد فوات فترة مهمة من الكشف عن بعض المواد.

ومن تصل إلى الشرطة قد تتردد في تقديم شكوى لأنها لا تملك سوى ذكريات متقطعة أو شعوراً غامضاً بأن شيئاً ما حدث.

ثم تأتي الوصمة الاجتماعية.

هل ستُصدّق امرأة تقول إنها لا تتذكر ما حدث؟

هل سيُطرح عليها أولاً سؤال: ماذا شربت؟

وهل سيتحول سلوكها أو مكان وجودها أو ملابسها أو علاقتها بالشخص المشتبه فيه إلى محور التحقيق بدلاً من التركيز على الاعتداء نفسه؟

هذه الأسئلة هي بالضبط ما تحاول الشواشي تفكيكه في كتابها، الذي يركز على الأفكار المسبقة التي تجعل الضحية تبدو أحياناً وكأنها مسؤولة عن ما تعرضت له، وتضعف في الوقت نفسه القدرة على الوقاية من هذه الاعتداءات.

تونس.. سؤال الأرقام قبل سؤال الانطباعات

بالنسبة إلى تونس، لا يكفي القول إن الظاهرة موجودة أو إنها منتشرة.

السؤال المهني والأهم هو: كم عدد الحالات؟

وهل توجد دراسات وطنية منتظمة حول الإخضاع الكيميائي؟

وهل تقوم أقسام الطب الشرعي ومصالح الاستعجالي والسموم بتسجيل الحالات المشتبه فيها بطريقة تسمح بتكوين قاعدة بيانات وطنية؟

وهل يعرف الأطباء والعاملون في أقسام الاستعجالي كيف يتعاملون مع شخص يصل وهو يعاني من فقدان ذاكرة أو اضطراب في الوعي ويشتبه في تعرضه لاعتداء؟

وهل توجد إجراءات واضحة لحفظ العينات والأدلة عندما تكون الضحية غير قادرة على تحديد زمن الاعتداء أو المادة المستخدمة؟

هذه الأسئلة أهم من إطلاق أرقام غير موثقة عن حجم الظاهرة.

فغياب الإحصائيات لا يعني بالضرورة غياب المشكلة، كما أن وجود حالات فردية لا يسمح وحده بالحديث عن حجم انتشار وطني.

تونس تحتاج أولاً إلى معرفة ما يحدث داخل مستشفياتها وأقسام الطب الشرعي ومراكز الأمن والقضاء.

من قضية جنائية إلى قضية صحة عامة

هذه هي الفكرة الأساسية التي يعطيها كتاب ليلى الشواشي للموضوع.

الإخضاع الكيميائي ليس مجرد «مخدر يوضع في كأس».

إنه قضية تتقاطع فيها الصحة والطب الشرعي والقانون والأمن والتوعية والوقاية وحماية الضحايا.

وتؤكد الجهة الناشرة للكتاب أن الشواشي تدافع عن التعامل مع الإخضاع الكيميائي باعتباره قضية صحة عامة كبرى، لا مجرد واقعة جنائية منفصلة.

وهذا التحول في طريقة النظر إلى الظاهرة ضروري أيضاً في تونس.

فالمطلوب ليس فقط اكتشاف المادة التي استُعملت، وإنما فهم الظروف التي سمحت بالاعتداء، وتحسين قدرة المؤسسات الصحية والقضائية على التعامل مع الضحية، وتوفير آليات للكشف والتوثيق والمرافقة.

ماذا يجب أن تفعل تونس؟

الخطوة الأولى هي إجراء دراسة وطنية حول الإخضاع الكيميائي والاعتداءات التي تسهّلها المواد، بمشاركة وزارات الصحة والعدل والداخلية، وأقسام الطب الشرعي والسموم والمستشفيات والجامعات والجمعيات المختصة.

والخطوة الثانية وضع بروتوكول موحد للتعامل مع الحالات المشتبه فيها، يحدد كيفية استقبال الضحية، وإجراء الفحوص، وحفظ العينات والأدلة، وتوجيهها إلى الجهات المختصة.

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في تدريب الأطباء وأعوان الصحة والأمن والقضاة على خصوصية هذه الحالات.

فالضحية قد تصل إلى المؤسسة الصحية وهي لا تقول «تعرضت لاعتداء».

قد تقول فقط:

«لا أتذكر ماذا حدث.»

وقد تكون هذه الجملة وحدها سبباً كافياً لطرح احتمال الإخضاع الكيميائي، لا سبباً لرفض روايتها.

السؤال الذي يجب أن يبدأ منه التحقيق التونسي

كتاب ليلى الشواشي لا يقدم لتونس رقماً جاهزاً عن عدد ضحاياها، ولا يمكن استخدامه بديلاً عن دراسة وطنية.

لكنه يقدم شيئاً أكثر أهمية في هذه المرحلة: طريقة مختلفة للنظر إلى المشكلة.

الإخضاع الكيميائي ليس بالضرورة قصة امرأة شابة في ملهى ليلي.

قد يكون الضحية طفلاً، أو رجلاً، أو امرأة مسنة، وقد تقع الواقعة في منزل أو مكان عمل أو منزل صديق، وقد لا يكون هناك كحول أصلاً. وهذه إحدى الرسائل المركزية التي يقدمها الكتاب في محاولته تفكيك الصورة النمطية للظاهرة.

وفي تونس، يبقى السؤال مفتوحاً:

كم شخصاً تعرض لاعتداء ولم يعرف أبداً ما حدث له؟

وكم حالة وصلت إلى المستشفى من دون أن يتعرف الأطباء على احتمال الإخضاع الكيميائي؟

وكم ضحية لم تتوجه أصلاً إلى أي جهة لأنها لم تكن تملك سوى ساعات مفقودة من ذاكرتها؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتخمين.

وتحتاج تونس، قبل كل شيء، إلى أن تبحث عن الظاهرة داخل مؤسساتها، وأن تنتج أرقامها ودراساتها الخاصة.

فالمشكلة ليست فقط في وجود مادة يمكن أن تغيّر وعي الإنسان.

المشكلة الأخطر هي أن الاعتداء قد يحدث، ثم تختفي المادة، وتختفي معها الذاكرة، وتبقى الضحية وحدها أمام سؤال لا تستطيع الإجابة عنه: ماذا حدث لي؟