الرئيسية آخر الأخبار لماذا لم يطبق مرسوم الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات

لماذا لم يطبق مرسوم الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات

0
913
إنقلاب سيارة نقل
إنقلاب سيارة نقل

فجر اليوم 12 جوان 2026، استفاقت ولاية سيدي بوزيد على وقع حادث مرور مأساوي جديد على الطريق الرابطة بين معتمديتي الرقاب والمزونة. الحادث أسفر في حصيلة محينة عن وفاة عاملتين فلاحيتين وإصابة 15 أخريات بجروح متفاوتة الخطورة. هذه الفاجعة المتجددة لم تكن مجرد قضاء وقدر، بل صدمة أعادت طرح السؤال الحارق الذي وجهته النائب فاطمة المسدي مستنكرة: أين النصوص الترتيبية التي تحمي هذه الفئة الهشة؟

يأتي هذا الحادث الأليم ليعري مجدداً مدى جدية السلطات في التعامل مع هذا الملف، ويكشف الفجوة العميقة بين الوعود التشريعية والواقع الدامي على الطرقات.

حصيلة طبية ثقيلة وتدخل عاجل

أفاد المدير الجهوي للصحة بسيدي بوزيد، الدكتور سالم ناصري، أن الوضع الصحي للمصابات استوجب استنفاراً طبياً وتوزيعاً للحالات حسب خطورتها:

  • حالتان حرجتان: تم نقلهما إلى المستشفى الجامعي بصفاقس لخضوعهما لعمليات جراحية دقيقة.
  • حالة بقسم العظام: تخضع لعملية جراحية بالمستشفى الجامعي بسيدي بوزيد.
  • 14 حالة مستقرة: تقيم بقسم الاستعجالي بسيدي بوزيد لتلقي العلاج والمراقبة.

ورغم النجاعة والسرعة الكبيرة التي أبدتها وحدات الحماية المدنية والأطقم الطبية في التدخل، فإن النجدة لم تمنع تسجيل وفيات جديدة في صفوف شغيلات الأرض.

تأخير فادح وعطالة تشريعية

رغم صدور مرسوم الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات منذ شهر أكتوبر 2024، إلا أن تطبيقه الفعلي يواجه تأخيراً فادحاً وغير مبرر حسب تدوينة للنائب فاطمة المسدي التي قالت ان السبب المباشر وراء هذا التعطيل هو غياب النصوص الترتيبية الضرورية لتفعيل بنوده، والتي تشمل:

  • 10 أوامر تنفذية لم تر النور بعد.
  • 4 قرارات وزاريّة مشتركة معطلة.
  • 3 اتفاقيات إطارية لم تُبرم حتى الآن.

هذا الغياب التشريعي يستمر رغم أن وزير الشؤون الاجتماعية كان قد صرح علناً تحت قبة المجلس الوطني للجهات والأقاليم بتاريخ 18 جويلية 2025، بأن هذه الأوامر باتت « جاهزة وستصدر عن قريب »، وهو القريب الذي طال كثيراً حتى حصد المزيد من الأرواح اليوم.

الدولة تستخلص الأداءات وتؤجل الحماية

المفارقة الصادمة في هذا الملف تكمن في سرعة الجباية مقابل بطء الرعاية. فمنذ غرة جانفي 2025، شرعت الدولة بصرامة في استخلاص الأداءات والضرائب التي نص عليها قانون المالية لسنة 2025 لتمويل « صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات ».

  • يتم اقتطاع 5 دنانير كاملة عن كل شهادة فحص فني للعربات لفائدة الصندوق.
  • تتدفق الأموال إلى الخزينة بانتظام، بينما تعجز الإدارة عن إيجاد الوقت الكافي لصياغة النصوص الترتيبية ونشرها بالرائد الرسمي لتوفير الحماية الميدانية لمن جُمعت تلك الأموال لأجلهنّ.

معضلة النقل: الفصول المنسية

إن الحادث المأسوي بين الرقاب والمزونة يرتبط مباشرة بالباب المتعلق بـنقل العاملات الفلاحيات (خاصة الفصلين 36 و37 من مرسوم أكتوبر 2024).
لو تم تفعيل هذين الفصلين وتنظيم قطاع النقل الفلاحي وتحديد مواصفات العربات الآمنة وشروط عملها، لتمكنت الدولة من القضاء على جزء كبير من الأسباب الهيكلية التي تؤدي إلى هذه الحوادث الدورية.

إن دماء ضحايا اليوم هي صرخة متجددة في وجه البيروقراطية والتسويف. لم يعد هناك أي عذر لتأجيل نشر النصوص الترتيبية؛ فتمويل الصندوق متوفر بقوة القانون، والأرواح تزهق على الطرقات، ولم يعد يفصلنا عن إنهاء هذه المأساة سوى توقيع وإرادة سياسية حقيقية تضع حداً لـ »شاحنات الموت ».