أثار المستشار السياسي السابق للرئيس الراحل الباجي قايد السبسي محسن مرزوق تفاعلا واسعا بعد نشره تدوينة مطولة تناول فيها تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأخيرة بشأن تونس، مؤكدا أن العلاقات بين البلدين يجب أن تظل قائمة على التعاون والاحترام المتبادل، مع التشديد على أن السيادة الوطنية تبقى خطا أحمر لا يقبل المساومة.
واستهل مرزوق تدوينته بالتأكيد على أن من حق الجزائر، باعتبارها دولة ذات سيادة، أن ترسم سياساتها الخارجية والأمنية وفقا لما تراه مناسبا لمصالحها الوطنية، بما في ذلك تحديد أولوياتها الاستراتيجية وتصورها للمخاطر والفرص، معتبرا أن ذلك شأن داخلي لا يحق لأحد التدخل فيه.
وفي المقابل، شدد على أن من حق تونس أيضا أن تحدد خياراتها وسياساتها باستقلالية تامة، وأن تمارس سيادتها الكاملة في رسم مواقفها، معتبرا أن تحقيق ذلك يمر عبر تعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية الاقتصاد، وإصلاح أساليب إدارة الدولة، بما يضمن استقلال القرار الوطني.
وأكد مرزوق أنه لا يشكك في رغبة الجزائر، شعبا ودولة، في الحفاظ على علاقات جيدة مع تونس، مشيرا إلى أن أمن البلدين واستقرارهما يرتبطان بعلاقات تعاون واحترام متبادل. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن أي توجه يمكن أن يفهم على أنه تدخل أو وصاية أو محاولة للهيمنة ستكون له، بحسب تعبيره، انعكاسات سلبية لا تخدم مصالح أي من البلدين.
وأضاف أن تونس وحدها صاحبة القرار في تحديد مواقفها السياسية والجيوسياسية، معتبرا أنه لا يمكن لأي طرف خارجي أن يحدد لها توجهاتها أو كيفية إدارة علاقاتها الدولية، معربا عن اعتقاده بأن الرئيس الجزائري لا يقصد المساس بهذا المبدأ.
وفي الجانب الأمني، أكد مرزوق أن القوات المسلحة التونسية والأجهزة الأمنية والشعب التونسي هم أصحاب الفضل الأول في مواجهة الإرهاب، مشددا على أن تونس نجحت في تجنب الانزلاق إلى الاقتتال الداخلي رغم التهديدات التي واجهتها خلال السنوات الماضية، داعيا إلى عدم التقليل من الدور الذي اضطلعت به المؤسسات الوطنية في هذا المجال.
وفي الوقت نفسه، دعا إلى مواصلة التعاون الأمني بين تونس والجزائر، معتبرا أن هذا التعاون ضروري لمواجهة التهديدات المشتركة، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها المنطقة، شريطة أن يقوم على الشفافية والاحترام المتبادل.
كما رفض مرزوق الربط بين أمن تونس وتقاربها مع دولة بعينها، مؤكدا أن حماية البلاد تستند بالأساس إلى شعبها وجيشها ومؤسساتها، وأن تاريخ تونس الممتد عبر القرون يثبت أنها تمكنت من الحفاظ على وجودها وسيادتها رغم تعاقب قوى استعمارية وإمبراطوريات مختلفة.
وانتقد في المقابل ما وصفه بحالة الضعف التي تعيشها الدولة التونسية، معتبرا أن هشاشة الوضع الداخلي هي التي تثير مخاوف الشركاء والجيران، داعيا إلى استعادة قوة الدولة ومكانتها من خلال إصلاحات سياسية واقتصادية تعزز استقلال القرار الوطني.
وأكد مرزوق أن تونس تمتلك شبكة واسعة من الأصدقاء والشركاء في مختلف أنحاء العالم، وأن سياستها الخارجية يجب أن تقوم على الانفتاح والتوازن، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع الحفاظ في المقابل على حقها الكامل في الدفاع عن مصالحها الوطنية.
واختتم تدوينته بالتأكيد على أن قضايا السيادة والوطن تمثل، في نظره، مسائل لا تقبل التفريط، مستحضرا التضحيات التي قدمها شهداء تونس والجزائر عبر التاريخ، معتبرا أن هذه التضحيات أرست أسس العلاقات بين البلدين، وأن الحفاظ عليها يقتضي التحلي بالحكمة وتغليب منطق الاحترام المتبادل.
وتأتي تصريحات محسن مرزوق في سياق النقاش الذي أثارته تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس، والتي أعادت إلى الواجهة الجدل حول طبيعة العلاقات بين البلدين وحدود التعاون الأمني والسياسي، في ظل الروابط التاريخية والاستراتيجية التي تجمعهما.
