حذّر الخبير الاقتصادي آرام بلحاج من مؤشرات وصفها بأنها تؤكد تنامي الاختناق الهيكلي للاقتصاد التونسي، في ظل استمرار تفاقم العجز التجاري وتراجع قدرة الصادرات على تغطية الواردات.
وقال بلحاج إن العجز التجاري بلغ 14.9576 مليار دينار، مقابل 11.9042 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة تناهز 3 مليارات دينار.
وأشار إلى أن نسبة تغطية الواردات بالصادرات تواصل تراجعها للسنة الثالثة على التوالي، لتنخفض من 79.4% إلى 73.1%، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين قيمة ما تستورده تونس وما تصدّره.
الطاقة تبتلع أكثر من نصف العجز
وأوضح الخبير الاقتصادي أن فاتورة الطاقة تظل العامل الأكبر وراء العجز، إذ بلغ العجز في هذا القطاع 7.9461 مليار دينار، أي أكثر من نصف إجمالي العجز التجاري.
غير أن المؤشر الأكثر إثارة للقلق، وفق بلحاج، يتمثل في تفاقم العجز التجاري خارج قطاع الطاقة، الذي تضاعف تقريباً خلال عامين.
ويرى بلحاج أن هذه المعطيات تضعف فرضية اعتبار الأزمة مجرد نتيجة لـ«صدمة خارجية عابرة»، باعتبار أن الاختلالات أصبحت تظهر أيضاً في التجارة غير الطاقية، بما يشير إلى وجود مشكلات أكثر عمقاً مرتبطة بالقدرة التنافسية وهيكلة الاقتصاد.
تراجع الفسفاط والنسيج
وتزامن تفاقم العجز مع تراجع عدد من القطاعات التصديرية التقليدية، حيث انخفضت صادرات الفسفاط ومشتقاته بنسبة 11.9%، فيما تراجعت صادرات النسيج بنسبة 3.6%.
ويعتبر القطاعان من أهم ركائز الصادرات التونسية، ما يجعل تراجع أدائهما عاملاً إضافياً يضغط على الميزان التجاري ويحدّ من قدرة الاقتصاد على توفير موارد إضافية من العملة الصعبة.
انتقادات لسياسة البنك المركزي
وفي قراءته للسياسة النقدية، اعتبر آرام بلحاج أن البنك المركزي التونسي يعتمد بدرجة كبيرة على إجراءات إدارية ومالية لاحتواء الضغوط على التوازنات الخارجية، من بينها التمويل الذاتي الإجباري لبعض الواردات غير ذات الأولوية، إلى جانب المحافظة على مستوى مرتفع من نسبة الفائدة المديرية.
ويرى أن هذه الإجراءات قد تساعد على إدارة الضغوط في المدى القصير، لكنها لا تعالج، في المقابل، الأسباب الأساسية للاختلال التجاري.
«قبل فوات الأوان»
وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن المؤشرات الحالية تعكس هشاشة متراكمة تستوجب مزيداً من اليقظة، داعياً إلى المرور من إجراءات إدارة الأزمة إلى إصلاحات هيكلية حقيقية تعزز القدرة التنافسية للصادرات، وتحد من التبعية الطاقية، وتعيد التوازن تدريجياً إلى التجارة الخارجية.
وبحسب هذه القراءة، فإن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع العجز التجاري في حد ذاته، بل في أن العجز أصبح يتسع حتى خارج قطاع الطاقة، بالتزامن مع تراجع بعض القطاعات التصديرية التقليدية، وهو ما يجعل معالجة الاختلالات الاقتصادية أكثر إلحاحاً قبل أن تتحول إلى أزمة أعمق.



