الرئيسيةآخر الأخبارما حكاية "المد الشيعي التقدمي" في تونس؟

ما حكاية « المد الشيعي التقدمي » في تونس؟

لم يكد يمضي وقت قصير على ظهور تصميم بصري يحمل اسم « المد الشيعي التقدمي في تونس »، حتى تلقفته منصات التواصل الاجتماعي بمزيج من التوجس والسخرية. التصميم الذي اعتمد بدقة على ألوان العلم التونسي، ورمزية جامع الزيتونة، بجانب وجوه ملتحية بعمائم دينية، كُتب تحته ببنط عريض: « الوفاء للأئمة وشهداء الأمة ». وللوهلة الأولى، بدا المشهد وكأن البلاد أمام إعلان ولادة تيار سياسي أو عقائدي جديد، مما أثار حفيظة البعض ودفع آخرين للتساؤل عن حقيقة ما يجري وراء الشاشات.

لكن التدقيق في تفاصيل هذا « اللوغو » يُظهر سريعاً أنه ليس أكثر من فخ رقمي مصمم بعناية، أو ما يُعرف في ثقافة الإنترنت بـ « الميم الساخر ». فالشعار يلعب بذكاء على حبال التناقض الفكري الصارخ؛ إذ كيف يستقيم الجمع بين « التقدمية » —وهي إرث تونسي ارتبط تاريخياً بالعلمانية واليسار والدفاع عن مدنية الدولة ونمط المجتمع الحديث— وبين « المد الشيعي » الذي يمثل أيديولوجيا دينية مذهبية بالغة المحافظة؟ هذا التناقض الصادم والمقصود هو التكنيك الأبرز الذي يستخدمه صناع المحتوى التهكمي (ترولينغ) لإثارة الجدل وصدمة القارئ، ودفع الناس للتعليق والمشاركة دون وعي بخلفية الصورة.

هذا الفضاء الافتراضي الذي يعيش فيه التونسيون اليوم أصبح بيئة خصبة لتضخيم الهواجس. فبين الحين والآخر، تندلع نقاشات محتدمة في تونس حول قضايا الهوية والتشيع السياسي بناءً على إشاعات أو حوادث معزولة. وهنا يأتي دور مثل هذه التصاميم المفبركة لتسكب الزيت على النار، مستغلة المخاوف الجمعية حول النسيج الاجتماعي للبلاد. فالمستمع التونسي، بطبيعته التي تميل إلى التمسك بالهوية السنية المالكية المعتدلة التي تمثل السواد الأعظم من المجتمع وتديرها وزارة الشؤون الدينية بوضوح، يجد نفسه مستفزاً أمام صورة تجمع معالم بلاده بعمائم مذهبية وافدة.

في المحصلة، يثبت هذا الشعار أن المعارك الحقيقية اليوم لم تعد تدور في الساحات السياسية الواقعية بقدر ما تدور في كواليس العالم الرقمي. إن « المد الشيعي التقدمي » هو كيان وهمي لا وجود له إلا في مخيلة من صممه وفي خوادم الإنترنت. هو مجرد نكتة سياسية سوداء تحولت، بسبب غياب التثبت والسرعة في نقل الأخبار، إلى « فزاعة » افتراضية. الدرس الحقيقي هنا ليس في خطورة هذا التيار المزعوم، بل في مدى سهولة التلاعب بالرأي العام وصناعة الأزمات من خلال صورة مفبركة وشعار متناقض لا يصمد ثوانٍ أمام منطق العقل والواقع.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى