قالت سوار هرماسي، مكلّفة بعقود الهندسة النووية في شركة الكهرباء الفرنسية، إن أزمة الطاقة في تونس لا تتعلق فقط بنقص الموارد أو ارتفاع كلفة التوريد، وإنما ترتبط أساسا بغياب رؤية واضحة وطويلة المدى للسياسة الطاقية في البلاد.
وأوضحت هرماسي، في تدوينة نشرتها، أن تونس تتحدث منذ سنوات عن العجز الطاقي، والغاز الجزائري، والشركة التونسية للكهرباء والغاز، والدعم، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكن السؤال الأهم، وفق تقديرها، لم يُطرح بالجدية الكافية، وهو: «ما هو مزيج الطاقة الذي تريد تونس الاعتماد عليه خلال العشرين أو الثلاثين سنة المقبلة؟».
وأضافت أن الإنتاج المحلي من الطاقة يتراجع مقابل ارتفاع التبعية للخارج، في وقت تمتلك فيه تونس إمكانيات مهمة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب موقع جغرافي مميز.
وشددت على أن الانتقال الطاقي لا يمكن أن يقتصر على استبدال الغاز بالألواح الشمسية، معتبرة أن استمرار استيراد الطاقة، أو إنتاج طاقة متجددة أساسا لفائدة أسواق أخرى ورؤوس أموال أجنبية، قد يؤدي إلى تغيير شكل التبعية من دون معالجة أصل المشكلة.
وترى هرماسي أن الطاقة المتجددة ضرورية لكنها غير كافية بمفردها، داعية إلى تطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتوفير وسائل تخزين الطاقة، وتعزيز شبكة الكهرباء وجعلها أكثر قدرة على الاستجابة، إلى جانب فتح المجال بشكل أوسع أمام الإنتاج الذاتي للطاقة في الصناعة والفلاحة ولدى المواطنين.
كما دعت إلى إعادة فتح ملف الطاقة النووية في تونس «من دون عقد ومن دون شعارات»، معتبرة أن هذا الملف لا ينبغي أن يكون موضوعا إيديولوجيا، بل أن يُناقش من زاوية أمن الطاقة واستقرار شبكة الكهرباء والاستقلالية والكلفة على المدى الطويل.
وأقرت بأن إنشاء محطة نووية تقليدية في تونس ليس أمرا سهلا، نظرا إلى محدودية شبكة الكهرباء مقارنة بقدرة المفاعلات الكبيرة، وارتفاع حجم الاستثمار الأولي، والحاجة إلى هيئة رقابية مستقلة وقوية، ومنظومة صارمة للسلامة والأمن النوويين، وكفاءات بشرية متخصصة، إلى جانب وضع خطط للوقود والنفايات واختيار الموقع وتوفير تمويل طويل المدى وضمان القبول المجتمعي.
وأكدت أن الطاقة النووية تمثل قرار دولة يمتد لعشرات السنين، وليس مشروعا مرتبطا بفترة حكومية محدودة، وهو ما يفسر، وفق رأيها، بطء هذا الملف وبقاءه إلى حد كبير في مرحلة الدراسات.
وأشارت هرماسي إلى أن التطور التكنولوجي قد يفتح خيارات جديدة أمام تونس، وخاصة المفاعلات النووية الصغيرة التي يمكن أن تكون أكثر ملاءمة لشبكة كهرباء بحجم الشبكة التونسية مقارنة بالمفاعلات التقليدية الضخمة.
وأضافت أن دراسة هذه المفاعلات لا تقتصر على إنتاج الكهرباء، بل يمكن أن تشمل أيضا تحلية مياه البحر، بما يسمح، في حال ثبوت جدوى المشروع، بمعالجة تحديين استراتيجيين في الوقت نفسه، وهما الطاقة والمياه.
وأكدت أن الاختيار لا يجب أن يكون بين الطاقة المتجددة والطاقة النووية، قائلة إن الدول التي تملك رؤية طاقية جدية تعمل على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة والنجاعة الطاقية وشبكة كهرباء قوية والإنتاج المحلي، مع دراسة عقلانية لإمكانية اعتماد الطاقة النووية.
وخلصت هرماسي إلى أن تونس مطالبة قبل كل شيء بتحديد ما تريده على المدى الطويل، متسائلة عما إذا كان الهدف يقتصر على توفير الكهرباء للصيف المقبل، أم بناء دولة تمتلك بعد عشرين سنة سيادة حقيقية على طاقتها.
واعتبرت أن السيادة الطاقية لا تبدأ بمجرد العثور على مورد جديد للطاقة، وإنما تبدأ بامتلاك القرار والتكنولوجيا والكفاءة والرؤية.
وفي الجزء الأخير من تدوينتها، ربطت هرماسي أزمة الطاقة بما وصفته بمشكلات أوسع في طريقة إدارة الأزمات، من بينها ضعف التواصل والمبالغة ورفع الشعارات، والتحريض واستغلال الثغرات والاحتكار، وعدم احترام عقول المواطنين، وغياب الاستراتيجية، إضافة إلى التسرع والغرور والكذب والأنانية، وانتشار عقلية المنقذ أو الضحية.
وقالت إن تونس تحتاج إلى وعي جماعي يساعدها على التعامل مع الأزمات بعقلانية، معتبرة أن الطريق صعب، وأن البلاد بحاجة إلى رؤية أوضح وقدرة أكبر على النقاش والعمل المشترك.
واختتمت سوار هرماسي تدوينتها بالقول إن المشكلة الأساسية في تونس ليست الفقر في مصادر الطاقة، وإنما عدم حسم البلاد، إلى الآن، لما تريد أن تكون عليه منظومتها الطاقية في المستقبل.
