الرئيسيةآخر الأخبارشهادات مرعبة حول مراكز إحتجاز المهاجرين في إيطاليا ...تونسيون من أبرز...

شهادات مرعبة حول مراكز إحتجاز المهاجرين في إيطاليا …تونسيون من أبرز الضحايا

قالت صحيفة ألترِيكُونوميا الايطالية اليوم أن وفاة الشاب التونسي الضاوي لسود في 10 أوت الماضي سلطت الأضواء من جديد على مركز احتجاز وتبرير المهاجرين غير النظاميين بهدف ترحيلهم في إقليم باسيليكاتا. هذه القصة المأساوية تتشابك مع قصة « فوزي »، وهو محتجز آخر؛ إذ إن كليهما ما كان ينبغي لهما أصلاً دخول هذا المكان بسبب معاناة صحية خطيرة. غير أن أحدهما تمكن من الخروج حياً، بينما لم يحالف الحظ الآخر. وبعد مرور عامين على رحيل أسامة الدرقاوي، نجد أنفسنا نعود إلى النقطة الصفر ذاتها: فبرغم تحقيقات النيابة العامة وتوثيق قرابة 300 « حادثة حرجة » خلال عام ونصف داخل المركز، فإن النهج المؤسساتي الرسمي لا يبدي أي مؤشر على التغيير.

قصة فوزي: إهمال طبي وشهادات بالـ »تمثيل »

أُودع فوزي في مركز الاحتجاز بـ »بالاتسو سان جيرفازيو » (مقاطعة بوتينتسا) في 7 جويلية مباشرة بعد قضائه عقوبة سجنية في سجن تيرني. وبرغم حالته الصحية، جرت المصادقة في ملفه الطبي داخل السجن على « أهليته للعيش في مجتمع مغلق ». ويعاني الرجل من صرع مقاوم للأدوية وحساسية مفرطة وشديدة لعدة مواد.

وتروي محاميته فرانشيسكا فيفياني، الناشطة في « تجمع لوتشانيا ضد مراكز الاحتجاز »، قائلة: « عند دخوله المركز، كان يحمل معه حقنة الأدرينالين الذاتية لإنقاذ حياته (جاكست)، لكن ذلك لم يكن كافياً لمنع احتجازه ».

وخلال شهر واحد من الاحتجاز، نُقل فوزي تسع مرات على الأقل إلى المرافق الصحية في الإقليم؛ حيث عانى من صدمة استهدافية (حساسية مفرطة) في 10 جويلية وثلاث نوبات صرع (في 14 و22 و27 جويلية)، بالإضافة إلى إيذاء نفسه عبر بلع جسم غريب (في 15 جويلية) وجرح ذراعيه (في جويلية).

وتضيف المحامية: « خلال هذه الفترة، كان الطعام الذي يقدمه له العمال مرتدين قفازات اللاتكس — التي يعاني من حساسية تجاهها — يثير لديه ردود فعل حادة. لم يجرِ إعداد نظام غذائي خاص بحالته، ولم تصله الوجبة البديلة التي وصفت له، كما لم تجرَ له الفحوصات الطبية الموصى بها من قاضي الصلح في 10 جويلية ».

إلى جانب ذلك، أظهر فحص طبي للأعصاب خضع له أثناء الاحتجاز أن نسبة دواء الصرع في دمه تعادل ثمن الحد الأدنى المطلوب للعلاج. وتتابع فيفياني: « لم يكن يتناول علاجه في المركز لأنهم لم يعطوه إياه ». وتؤكد المحامية أن المسؤول الصحي في المركز وصف موكلها بأنه « مستعرض يمثل المرض »، في حين ادعت الهيئة المديرة للمركز وجود حادثة حرجة واحدة فقط تخص فوزي، بينما وثقت الهيئة نفسها تسع حوادث، بما فيها محاولته إضرام النار في نفسه.

الأسعد الضوي: مأساة في ملعب كرة القدم

لم يكن يوم 10 أوت يوماً عادياً في المركز؛ حيث لقي الضاوي لسود وهو شاب تونس يبلغ من العمر 30 عاماً، حتفه على الفور إثر سقوطه أثناء تسلق السلك الحديدي المحيط بملعب كرة القدم، وهو المكان الذي كان ينام فيه تحت السماء منذ عدة أيام بعد تعرضه لضربة على الرأس.

وتوضح الناشطة ياسمين أكاردو، التي تتواصل مع عائلته: « هو أيضاً، مثل فوزي، ما كان ينبغي له دخول هذه المنشأة؛ إذ يبدو أنه بعد قضائه أياماً في مركز احتجاز ميلانو، جرى إعلان عدم أهليته للاحتجاز بسبب هشاشة وضعه النفسي ». وكانت هذه الهشاشة واضحة لكل من التقى به هناك.

ويؤكد رفاقه في الاحتجاز هذا الأمر، ويدل عليه وضعه خارج الغرف التقليدية واحتجازه في ملعب كرة القدم. وتشير المعطيات إلى أن الشاب البالغ من العمر 30 عاماً كان قد هدد بالانتحار سابقاً، وكان يصرخ مراراً بأن لديه وثائق تثبت عدم قانونية وجوده في هذا المكان.

وسوف تتولى النيابة العامة في بوتينتسا كشف التفاصيل والديناميكيات وأي تقصير محتمل أدى لوفاته. لكن الثابت هو أنه بينما استعاد فوزي حريته في 20 أوت، لم يستعدها الضاوي الذي جرى ترحيل جثمانه يوم الجمعة 28 أوت. وتعد هذه الوفاة الثانية في المركز خلال عامين؛ ففي 5 أوت 2024، توفي أسامة الدرقاوي، وهو شاب مغربي عمره 22 عاماً.

نظام يلتهم الأرواح وإفلات من المحاسبة

لقد بات من الصعب إحصاء كم من « فوزي » و »الأسعد » و »أسامة » مروا عبر هذه المنشأة؛ حيث تُبتلع السير الذاتية في نظام يكرر نفسه دون القدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من القانونية. ولم تفلح حتى أكبر محاكمة في تاريخ إيطاليا تخص مركز احتجاز — والتي تشمل 23 متهماً بإدارة المنشأة بين 2018 و2022 — في تغيير هذا الواقع. تتغير الجهات المديرة — فالجهة التي تُحاكم حالياً هي شركة « انجل ايطاليا « ، بينما تديره اليوم تعاونية — لكن الأسئلة المتكررة تظل دون إجابات.

لماذا دخل فوزي المركز برغم أمراضه؟ ولماذا حدث الأمر نفسه نهاية ففيفري 2026 مع رجل يعاني من أخطر أنواع الصلب المشقوق ولديه طفل في الثانية ينتظره في الخارج؟ ولماذا بقي الضاوي في ملعب كرة القدم لعشرة أيام رغم وضعه النفسي؟ ولماذا وكيف مات أسامة؟ ولماذا يظل مثل هذا المكان مفتوحاً رغم تسجيل نقص بـ 5,500 ساعة عمل للموظفين خلال 18 شهراً مقارنة بما تفرضه كراسة الشروط؟ ولماذا لا تكفي التدنيات الحادة في الشروط الصحية والبيئية لتأجيل غلق هذا المكان؟

بين يناير 2025 ويونيو 2026، شهد مركز « بالاتسو سان جيرفازيو » 280 حادثة حرجة تشمل إيذاء النفس، محاولات انتحار، احتجاجات، واعتداءات. وعليه، لا يحتاج المرء إلى النيابة العامة ليدرك حجم المعاناة في هذا المكان، ووفاة شاب في الثلاثين هي آخر تأكيد على ذلك. فوزي حر الآن، لكن الأسعد لن يكون كذلك أبداً.

وتختتم المحامية قائلة: « سيبقى في ذاكرتي دائماً ذلك الشاب الذي أراد أن يصبح حلاقاً، والذي بدت قصات شعره غريبة في كل الصور التي رأيتها له؛ صورته في سن 18 عاماً عندما كان سعيداً بحصوله على جواز سفره، وصورته في ألمانيا مبتسماً في مقهى والحياة بأكملها أمامه، وصورته التعريفية في معسكر الاحتجاز الحكومي بـ’بالاتسو سان جيرفازيو’ حيث انطفأ بريق عينيه ولم يعد يبتسم، لأنه كان محتجزاً كصيد في قفص يطالب بحريته، دون أن يستمع إليه أحد ».


مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى