تحول مشروع محطة تحلية مياه البحر بسوسة، الذي يعد أحد أكبر المشاريع المائية في تونس، إلى محور جدل واسع بعد تصريحات أدلى بها النائب بمجلس الأقاليم والجهات حسام مزالي، تحدث فيها عن اكتشاف مادة الهيدروكربونات في المياه الخام المخصصة للتحلية، معتبرا أن ذلك حال دون دخول المحطة حيز الاستغلال، وموجها انتقادات حادة إلى الجهات التي أشرفت على إعداد المشروع ودراساته.
مشروع استراتيجي لتعزيز الأمن المائي
يمثل مشروع محطة تحلية مياه البحر بسوسة أحد المشاريع الاستراتيجية التي أطلقتها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) لمواجهة تراجع الموارد المائية التقليدية وتزايد الطلب على مياه الشرب بالساحل.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمحطة 50 ألف متر مكعب يوميا في مرحلة أولى، مع إمكانية رفعها إلى 100 ألف متر مكعب يوميا في مرحلة لاحقة، فيما بلغت كلفة المشروع نحو 133 مليون دينار ممولة من ميزانية الدولة التونسية. كما استغرق المشروع نحو سبع سنوات بين الدراسات والإنجاز، وشمل إنشاء المحطة ومد قنوات لجلب مياه البحر وربطها بشبكة التوزيع.
ماذا قال حسام مزالي؟
في تصريحات إذاعية، قال النائب حسام مزالي إن التحاليل النهائية كشفت عن وجود الهيدروكربونات في المياه المخصصة للتحلية، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى استحالة تشغيل المحطة في الوقت الحالي.
ونسب مزالي سبب المشكلة إلى قرب المحطة من مولدات إنتاج الكهرباء التابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز (ستاغ)، معتبرا أن استعمال مياه البحر في عمليات التبريد قد يكون وراء انتقال هذه المواد إلى نقطة جلب المياه، كما أشار إلى وجود مصبي واديين بالقرب من موقع المشروع.
وأضاف أن الحل المطروح حاليا يتمثل، وفق ما ذكره، في تمديد قنوات جلب المياه إلى مسافة أبعد داخل البحر بحثا عن مياه غير ملوثة.
اتهامات مباشرة لوزارة الفلاحة والصوناد
ووجه النائب انتقادات شديدة إلى الجهات المشرفة على المشروع، قائلا إن ما حدث يمثل « فشلا جديدا » يضاف إلى وزارة الفلاحة والموارد المائية وإلى الصوناد.
كما تساءل عن كيفية إنجاز الدراسات الأولية للمشروع، معتبرا أن القائمين عليها كان يفترض أن ينتبهوا منذ البداية إلى أن موقع المحطة يقع في منطقة تتأثر بمصبي واديين وبمنشآت صناعية مجاورة.
وتساءل مزالي، في تصريحاته، عن سبب عدم الاستعانة بخبرات أجنبية لإعداد الدراسات إذا كانت الكفاءات المحلية غير قادرة على توقع مثل هذه الإشكالات.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتهامات وردت على لسان النائب حسام مزالي، ولم تصدر إلى حد الآن معطيات أو تقارير رسمية تؤكد مسؤوليـة أي جهة عن أسباب تعطل تشغيل المحطة.
هل ما طرحه النائب وجيه علميا؟
من الناحية العلمية، يؤكد المختصون في تقنيات تحلية مياه البحر أن الهيدروكربونات تعد من أخطر الملوثات بالنسبة لمحطات التحلية المعتمدة على تقنية التناضح العكسي، لأنها قد تؤدي إلى:
- إتلاف أغشية التحلية مرتفعة الكلفة.
- انخفاض كفاءة الإنتاج.
- ارتفاع مصاريف الصيانة والتشغيل.
- إيقاف المحطة إلى حين إزالة مصدر التلوث.
ولهذا السبب، تخضع مواقع محطات التحلية عادة لدراسات بيئية وهيدرولوجية دقيقة تشمل اتجاه التيارات البحرية، ومصادر التلوث الصناعية، ومصبات الأودية، وحركة الملاحة البحرية قبل تحديد نقطة جلب المياه.
لكن هل تثبت تصريحات النائب سبب المشكلة؟
رغم وجاهة المخاوف التي أثارها النائب من الناحية الفنية، فإن الربط بين وجود الهيدروكربونات ومحطة إنتاج الكهرباء التابعة للـستاغ أو بمصبي الواديين يبقى، في الوقت الراهن، ادعاءً منسوبا إليه، ولم تؤكده أي جهة رسمية أو تقرير فني منشور.
كما أن الهيدروكربونات قد يكون مصدرها عدة عوامل، من بينها:
- أنشطة الملاحة البحرية.
- تسربات صناعية.
- ملوثات تحملها الأودية.
- حوادث عرضية.
ولا يمكن تحديد المصدر الحقيقي إلا عبر تحاليل بيئية وتقارير فنية مستقلة.
أسئلة تنتظر الإجابة
أثارت تصريحات النائب حسام مزالي جملة من الأسئلة التي ينتظر الرأي العام إجابات رسمية عنها، من بينها:
- هل أثبتت التحاليل فعلا وجود الهيدروكربونات بالمستويات التي تمنع تشغيل المحطة؟
- ما هو المصدر الحقيقي لهذه المواد؟
- هل كان بالإمكان اكتشاف هذه المشكلة خلال مرحلة الدراسات؟
- وهل ستضطر الدولة إلى إنفاق اعتمادات إضافية لتمديد قنوات جلب المياه أو تعديل تصميم المشروع؟
وفي انتظار توضيحات رسمية من وزارة الفلاحة أو الصوناد، يبقى مشروع محطة تحلية سوسة، الذي رصدت له الدولة 133 مليون دينار واستغرق إنجازه سنوات، في قلب نقاش واسع حول جودة الدراسات المسبقة، ومدى كفاية الرقابة الفنية على المشاريع العمومية الكبرى



