فتحت النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب تحقيقاً في مقتل تونسي في فرنسا، بعد الاشتباه في أن دوافع الجريمة مرتبطة بأفكار يمينية متطرفة، في قضية أعادت إلى الواجهة الجدل حول تصاعد العنف المرتبط بهذا التيار في البلاد.
وبحسب تقرير نشرته القناة الألمانية «تاغيسشاو» في 4 جوان 2025، فإن الضحية، هشام الميراوي، كان يشعر منذ فترة بأنه مهدد من أحد جيرانه، الذي اتهمه أقاربه بتوجيه إهانات عنصرية متكررة إليه.
ونقلت قناة تي أف 1 عن أحد أبناء عمومة الضحية، الذي تحدث دون الكشف عن هويته، قوله إن الجار كان يشتم هشام باستمرار في درج العمارة، كما كتب عبارة عنصرية على دراجته النارية، وكان يوجه إليه عبارات مهينة كلما اشتم رائحة الطعام في الممر.
وفي السبت السابق لنشر التقرير، أطلق كريستوف ب. (53 عاماً)، وهو من هواة الرماية، النار على جاره التونسي، فأصابه بخمس رصاصات، وفق الرواية الواردة في التقرير. وأوقفت الشرطة المشتبه به بعد ساعات قليلة من الجريمة.
وبعد ذلك، تولت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب التحقيق، في خطوة تعكس وجود شبهات بشأن احتمال ارتباط الجريمة بدافع أيديولوجي متطرف.
وقال مراد باتيك، محامي عائلة الضحية، إن الأمر يتعلق، بحسب تقديره، بشخص تصرف بشكل متعمد انطلاقاً من أيديولوجيا يمينية متطرفة.
منشورات عنصرية على مواقع التواصل
وتستند شبهات المحققين، وفق التقرير، أيضاً إلى ما نشره المشتبه به على الإنترنت. فقد عُثر على تعليقات ذات طابع عنصري في صفحته على «فيسبوك»، تضمنت مواقف مرتبطة بخطاب اليمين القومي، فضلاً عن دعوات لمهاجمة الأجانب، وخصوصاً القادمين من شمال إفريقيا.
وأثارت هذه المعطيات اهتمام أجهزة مكافحة الإرهاب، التي تنظر في احتمال وجود خلفية أيديولوجية وراء الجريمة، إلى جانب الملابسات المباشرة المتعلقة بعلاقة الجاني المفترض بالضحية.
واعتبر محامي عائلة هشام أن استخدام العلم الفرنسي في سياق خطاب الكراهية يمثل مفارقة، مشدداً على أن العلم يرمز، في نظره، إلى قيم الوحدة والمساواة والأخوة التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية.
جدل سياسي حول خطاب الهجرة
ولم تتوقف تداعيات القضية عند الجانب القضائي، إذ أعادت فتح نقاش سياسي حول الخطاب المتعلق بالهجرة والأجانب في فرنسا.
وانتقدت شخصيات من اليسار ما وصفته بتصاعد خطاب التحريض ضد المهاجرين، معتبرة أن بعض السياسيين اليمينيين ساهموا في تطبيع خطاب العداء تجاه الأجانب.
وتوجهت بعض الانتقادات خصوصاً إلى وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو، المنتمي إلى حزب «الجمهوريون» المحافظ والمعروف بمواقفه المتشددة بشأن الهجرة.
وفي تعليقه على القضية، قال ريتايو إن «العنصرية سمّ يقتل»، مضيفاً أن كل عمل عنصري هو، في نظره، عمل «معادٍ لفرنسا»، لأن الجمهورية لا تميز بين مواطنيها على أساس الأصل أو لون البشرة أو الدين.
ورحّب محامي عائلة هشام بهذه التصريحات من حيث المبدأ، لكنه انتقد في الوقت نفسه ما وصفه بوجود «مناخ سياسي متوتر» في فرنسا، معتبراً أن بعض الخطابات السياسية قد تساهم في تأجيج التوتر قبل محاولة احتوائه.
تصاعد نشاط مجموعات اليمين المتطرف
وتأتي جريمة قتل هشام الميراوي في سياق نقاش أوسع في فرنسا حول تنامي نشاط مجموعات اليمين المتطرف.
وأشار التقرير إلى أن مجموعات من هذا التيار كثفت تحركاتها خلال الأشهر الأخيرة، مستشهداً بحوادث واحتجاجات شهدتها عدة مدن فرنسية، بينها هجوم نفذه، وفق التقرير، نحو عشرة أشخاص على مقهى يرتاده شباب شيوعيون في مدينة أليس جنوب فرنسا، إضافة إلى مسيرة شارك فيها نحو ألف من أنصار اليمين المتطرف في باريس خلال أفريل 2025.
كما أعاد التقرير التذكير بأحداث شتاء 2023، عندما تحركت مجموعات من اليمين المتطرف عقب مقتل مراهق أبيض في بلدة كريبول قرب فالانس.
وبحسب الباحث ستيفان فرانسوا، المتخصص في التطرف اليميني في جامعة ليل، فإن أعداد المنتمين إلى هذه المجموعات ظلت مستقرة نسبياً، لكن نشاطها أصبح أكثر وضوحاً.
وأوضح الباحث أن بعض هذه التيارات تتبنى أفكاراً تقوم على الاعتقاد بأن تدهور الأوضاع الاجتماعية وتصاعد التوترات يجب أن يتواصلا إلى أن تنفجر، وفق تصورهم، مواجهة عرقية بين السكان البيض والمهاجرين.
وتعيد القضية بذلك إلى الواجهة سؤالاً حساساً في فرنسا حول الحدود بين الخطاب السياسي المتشدد وخطاب الكراهية والعنف، وحول مدى قدرة السلطات على رصد انتقال بعض الأفكار المتطرفة من الفضاء الرقمي إلى أعمال عنف على أرض الواقع.



