عاد ملف تملّك الأجانب للعقارات في تونس إلى الواجهة، وهذه المرة من جزيرة جربة، التي أصبحت محور أسئلة برلمانية تتعلق بحقيقة المعاملات العقارية ومدى احترامها للقانون.
فقد وجّهت النائبة فاطمة المسدي سؤالاً كتابياً إلى الحكومة، طالبت فيه بكشف تفاصيل التراخيص الممنوحة للأجانب لاقتناء العقارات بالجزيرة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وعدد المطالب التي تمت الموافقة عليها أو رفضها، إلى جانب طبيعة العقارات ومساحاتها وقيمتها المالية.
لكن السؤال الذي طرحته المسدي لا يتوقف عند عدد العقارات التي انتقلت ملكيتها إلى أجانب، بل يذهب إلى تفاصيل أكثر حساسية: كيف تتثبت السلطات من هوية المشتري الحقيقي عندما تتم الصفقة عن طريق شركة وسيطة؟ وهل توجد رقابة كافية على مصادر الأموال المستخدمة في عمليات الشراء؟ وكيف تتم مراقبة العمولات التي تدفعها وكالات عقارية إلى شركات أجنبية مقابل خدمات التسويق واستغلال العلامات التجارية؟
وتستند النائبة في مراسلتها إلى الإطار القانوني المنظم للعمليات العقارية في تونس، ومنه الأمر المؤرخ في 4 جوان 1957 المتعلق بالعمليات العقارية، إلى جانب القانون عدد 71 لسنة 2016 المتعلق بالاستثمار، وخاصة فصله الخامس الذي يقر حرية المستثمر في اقتناء العقارات غير الفلاحية أو كرائها أو استغلالها لإنجاز المشاريع الاستثمارية، مع احترام التشريعات الجاري بها العمل. غير أن حرية الاستثمار لا تعني أن كل عملية اقتناء تتم بصورة آلية، أو أن المستثمر الأجنبي معفى من الشروط والإجراءات التي تفرضها النصوص القانونية ذات الصلة.
وفي جربة، حيث للسوق العقارية أهمية خاصة بفعل النشاط السياحي وقيمة الأراضي والعقارات، تطرح هذه المسألة أسئلة تتجاوز البيع والشراء إلى مدى قدرة أجهزة الدولة على متابعة المعاملات والتحقق من سلامتها. ولهذا تطالب المسدي الحكومة بتوضيح النصوص القانونية المحيّنة التي تضبط تملّك الأجانب للعقارات بالجزيرة، وشروط الحصول على التراخيص والاستثناءات المعمول بها، ومدى تطابق الإجراءات الإدارية مع القواعد القانونية.
ومن النقاط التي تستحق الانتباه مطالبة الحكومة بتوضيح كيفية التنسيق بين مصالح الولاية ووزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية ووزارة المالية والبنك المركزي والهياكل المختصة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصدر الأموال والتحويلات المالية إلى الخارج والالتزامات الجبائية المرتبطة بالصفقات. كما تسأل النائبة عن مدى خضوع العمولات المدفوعة إلى شركات أجنبية مقابل الخدمات التسويقية واستغلال العلامات التجارية للتصريح الجبائي والرقابة المالية.
والأكثر حساسية أن المراسلة تتضمن سؤالاً مباشراً بشأن ما إذا كانت السلطات قد أجرت عمليات تفقد أو تحقيق إداري أو مالي في معاملات عقارية بجربة عبر وكالات مرتبطة بشبكات دولية، وما انتهت إليه تلك العمليات، إن وجدت، والإجراءات التي تم اتخاذها في حدود ما يسمح القانون بنشره. ولا يعني طرح هذا السؤال ثبوت مخالفات أو وجود جرائم، لكنه يضع الحكومة أمام مسؤولية توضيح ما إذا كانت الرقابة قد شملت هذه المعاملات وما هي نتائجها الرسمية.
وتطالب المسدي أيضاً باتخاذ إجراءات تضمن التطبيق الفعلي للقانون وتحمي المالكين التونسيين من كل استغلال أو تحايل، من دون المساس بحقوق الملكية أو الاستثمار المشروع. فالمسألة، كما تطرحها المراسلة، ليست في جنسية المشتري بقدر ما هي في احترام القانون، وشفافية المعاملات، والتثبت من المستفيد الحقيقي من العقار، والتأكد من سلامة الجوانب المالية والجبائية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة الحكومة واضحاً: كم عدد التراخيص التي مُنحت للأجانب لاقتناء العقارات في جربة خلال السنوات الخمس الماضية؟ وكم طلباً رُفض؟ وهل تمتلك السلطات صورة دقيقة عن طبيعة هذه المعاملات والأطراف المستفيدة منها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام والوثائق الرسمية وحدها كفيلة بتوضيح حقيقة الوضع، بعيداً عن الاتهامات المسبقة أو الأحكام غير المثبتة.
ماذا يقول المشرّع التونسي؟
الإطار القانوني الذي تستند إليه المراسلة يقتضي التمييز بين ثلاثة أمور أساسية:
- الترخيص في العمليات العقارية: ينظم الأمر المؤرخ في 4 جوان 1957، كما تم تنقيحه وإتمامه، جانباً من العمليات العقارية التي تتطلب ترخيصاً، وتوضح النصوص المكملة شروطاً واستثناءات محددة.
- حرية الاستثمار: ينص الفصل الخامس من القانون عدد 71 لسنة 2016 على حرية المستثمر في اقتناء العقارات غير الفلاحية أو كرائها أو استغلالها لإنجاز الاستثمار المباشر أو مواصلته، مع احترام أحكام التهيئة العمرانية ومخططاتها. ولا ينبغي فهم هذا الفصل بمعزل عن بقية التشريعات المنطبقة على العملية.Hub+1
- الرقابة على المعاملات: تندرج العمليات العقارية أيضاً ضمن إطار قانوني يتصل بالتسجيل والملكية العقارية والصرف والالتزامات المالية والجبائية، بحسب طبيعة العملية والأطراف المعنية.
