الرئيسيةآخر الأخبارمنحة أمريكية لقطاع الفسفاط في تونس تطرح أكثر من سؤال …- تحيين-

منحة أمريكية لقطاع الفسفاط في تونس تطرح أكثر من سؤال …- تحيين-

أثار إعلان السفارة الأمريكية في تونس عن إطلاق منحة صغيرة تتجاوز قيمتها 1.5 مليون دولار لتمويل مشروع بعنوان « تأمين سلاسل إمداد الولايات المتحدة بالمعادن الحيوية – تونس » اهتماما واسعا، ليس فقط بسبب قيمة التمويل، وإنما أيضا بسبب طبيعة القطاع المستهدف، وهو قطاع الفسفاط الذي ظل لعقود أحد أهم القطاعات الاستراتيجية والسيادية التي تحتكر الدولة استغلالها وإدارتها.

وتنص المبادرة الأمريكية على دعم مشروع يهدف إلى تعزيز الاستثمار الشفاف للقطاع الخاص في قطاع الفسفاط في تونس، وتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية، وتحسين المعايير الفنية في مراحل الإنتاج المتقدمة، ودعم سلاسل توريد عالمية مرنة وشفافة.

غير أن هذا الإعلان يثير سؤالا محوريا: كيف يمكن الحديث عن دعم الاستثمار الخاص في قطاع يعد، من الناحية القانونية والعملية، من القطاعات التي تهيمن عليها الدولة؟

قطاع سيادي ظل لعقود تحت إدارة الدولةيمثل الفسفاط أحد أهم الثروات الطبيعية في تونس، وقد ارتبط استغلاله تاريخياً بالدولة عبر شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي والمؤسسات العمومية المرتبطة به.

لكن التطور الجديد يتمثل في أن المبادرة الأمريكية لا تتحدث فقط عن تحسين أداء القطاع العمومي أو تحديث الإنتاج، بل عن جذب مستثمرين من القطاع الخاص إلى مشروع محدد في مجال الفسفاط، وهو ما يعيد طرح النقاش حول حدود مشاركة القطاع الخاص في قطاع ظل لعقود مرتبطاً بالسيادة الاقتصادية للدولة.

ولا تشير الوثيقة الأمريكية إلى خصخصة شركة فسفاط قفصة أو فتح المناجم الحالية أمام الخواص، غير أنها تكشف عن توجه لدعم نموذج جديد يقوم على شراكات دولية حول مشاريع استثمارية محددة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموارد تعتبرها الولايات المتحدة جزءاً من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.

من الفسفاط التونسي إلى سلاسل التوريد الأمريكية

تكشف الوثيقة الأمريكية أن الاهتمام لا يتعلق فقط بقطاع الفسفاط التونسي باعتباره مادة أولية، بل بموقعه المحتمل داخل منظومة دولية جديدة لتأمين المعادن المرتبطة بالأمن الغذائي والتحول الطاقي.

فالبرنامج يستهدف عملياً مشروع شركة « فوسكو » الأسترالية المحدودة في منطقة غازات بولاية القصرين، حيث تشير الوثيقة إلى وجود موارد فسفاطية تقدر بـ146 مليون طن، فيما أعلنت الشركة لاحقاً عن ارتفاع تقديرات الموارد إلى نحو 166.6 مليون طن بعد إدماج اكتشافات جديدة.

وتعتبر واشنطن أن تطوير هذا المشروع يمكن أن يساهم في خلق سلسلة توريد أكثر تنوعاً، خاصة في ظل المنافسة العالمية حول المواد الأولية التي تدخل في صناعة الأسمدة، وكذلك في الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي، ومنها بطاريات فوسفات حديد الليثيوم المستخدمة في عدد متزايد من السيارات الكهربائية.

وتكشف الوثيقة أيضاً أن المشروع لا يقتصر على استخراج الفسفاط، بل يشمل تطوير البنية التحتية للنقل والمعالجة، مع الإشارة إلى تمويلات محتملة تتجاوز 285 مليون دولار من مؤسسات مالية دولية لتطوير السكك الحديدية ومرافق المعالجة، إضافة إلى دراسة تثمين المواد الثانوية الناتجة عن معالجة الفسفاط، مثل الكادميوم وعناصر أخرى.

تونس والمغرب في قلب الحسابات الجديدة

وفي هذا السياق، تبرز منطقة شمال أفريقيا، ولا سيما المغرب وتونس، باعتبارها من أهم مناطق إنتاج الفسفاط في العالم.

فالمغرب يمتلك نحو 70% من الاحتياطات العالمية المعروفة من الفسفاط، إلى جانب قاعدة صناعية ولوجستية متطورة تقودها مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، ما جعله أحد أبرز الفاعلين في سوق الأسمدة والمنتجات الفسفاطية عالميا.

أما تونس، فرغم التراجع الكبير في الإنتاج خلال السنوات الأخيرة بسبب الاعتصامات والاضطرابات الاجتماعية وتراجع الاستثمار، فإنها ما تزال تمتلك احتياطات مهمة، وبنية تحتية وخبرة صناعية وموقعا استراتيجيا على البحر الأبيض المتوسط، يمنحها أهمية خاصة في أي استراتيجية دولية لتنويع مصادر الإمداد.

ويرى مراقبون أن الاهتمام الأمريكي بالمغرب وتونس يعكس سعيا إلى بناء شبكة أكثر تنوعا واستقرارا لإمدادات الفسفاط نحو الأسواق الأمريكية والغربية، في مواجهة التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.

كما تشير تقديرات اقتصادية إلى أن تطوير القدرات الإنتاجية واللوجستية في البلدين يمكن أن يعزز استقرار إمدادات الفسفاط ومشتقاته نحو أوروبا والولايات المتحدة، بما يدعم الأمن الغذائي العالمي وسلاسل التوريد، وإن لم يعلن حتى الآن عن أي مشروع رسمي لإنشاء ممر صناعي أو لوجستي مشترك.

دبلوماسية تجارية أم إصلاحات هيكلية؟

اللافت في الإعلان الأمريكي أنه لا يركز على تمويل الإنتاج أو استخراج الفسفاط، وإنما يتحدث عن « الدبلوماسية التجارية »، و** »تعزيز الاستثمار »، و« تطوير المعايير الفنية »، و« سلاسل التوريد »**.

وتوحي هذه المفاهيم بأن الهدف يتجاوز مجرد تقديم مساعدة تقنية، ليشمل خلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار وربط قطاع الفسفاط التونسي بالأسواق والشركات الدولية، بما يتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تأمين سلاسل الإمداد الخاصة بها.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تمثل هذه المنحة مجرد برنامج للتعاون الفني والتجاري، أم أنها تشكل خطوة أولى نحو تشجيع إصلاحات في قطاع ظل لعقود حكرا على الدولة؟

أسئلة تنتظر الإجابة

حتى الآن، لا يتضمن الإعلان الأمريكي أي إشارة إلى خصخصة قطاع الفسفاط أو إلى مشاركة مباشرة في استغلال المناجم، غير أن استخدام عبارة « دعم الاستثمار الخاص في قطاع الفسفاط » يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد التونسي.

فهل سيبقى دور القطاع الخاص مقتصرا على الخدمات والأنشطة المساندة؟ أم أن المبادرة الأمريكية تعكس توجها أوسع لإعادة رسم قواعد الاستثمار في قطاع ظل تاريخيا من اختصاص الدولة؟

أسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتصاعد المنافسة الدولية على الموارد الطبيعية، وعودة الفسفاط إلى واجهة الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية للقوى الكبرى.

blank
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى