مئات الأطنان من المواد العضوية؟ أسئلة عن الروائح والعصارة والمائدة المائية وموقع المشروع.. والأهالي يطالبون بكشف الدراسات والتراخيص
ليس السؤال اليوم في منزل بوزلفة: هل يمكن تربية ذبابة الجندي الأسود؟
فهذا النوع من المشاريع موجود في عدد من دول العالم ويُقدم باعتباره إحدى طرق تثمين النفايات العضوية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية.
السؤال الأكثر حساسية هو: أين ستقام الوحدة؟ وماذا ستستقبل يومياً؟ وكيف ستتم معالجة النفايات والروائح والعصارة؟ وهل أُخذ قربها من المستشفى والمناطق السكنية والفلاحية بعين الاعتبار؟
هذه الأسئلة عادت بقوة إلى الواجهة بعد الوقفة الاحتجاجية التي نظمها عدد من أهالي وفلاحي منزل بوزلفة، اعتراضاً على مشروع لتربية يرقات ذبابة الجندي الأسود بالقرب من المستشفى المحلي.
الأهالي يطالبون بتوضيحات، فيما تظل الإجابة الحقيقية في الوثائق والدراسات الفنية والبيئية التي سبقت الترخيص للمشروع.
«الذباب الأسود».. الاسم الذي أثار الخوف
المقصود ليس الذباب المنزلي المعتاد، وإنما ما يعرف بـذبابة الجندي الأسود، وهي حشرة تستخدم يرقاتها في عدد من المشاريع لمعالجة المواد العضوية.
وتقوم الفكرة أساساً على تغذية اليرقات بمواد عضوية، قبل تحويل الكتلة الحيوية الناتجة إلى منتجات يمكن الاستفادة منها، في حين يمكن استعمال بعض المخلفات كمواد عضوية أو أسمدة.
أي أن المشروع، من حيث المبدأ، يمكن أن يندرج ضمن تثمين النفايات والاقتصاد الدائري.
لكن المبدأ شيء، وطريقة التنفيذ شيء آخر.
وهنا تبدأ الأسئلة التي دفعت أهالي منزل بوزلفة إلى الاحتجاج.

ماذا سيدخل إلى المصنع؟
من بين المعطيات التي تم تداولها في سياق الاعتراضات الحديث عن قدرة المشروع على التعامل مع كميات كبيرة من المواد العضوية.
وإذا كانت الأرقام المتداولة حول مئات الأطنان يومياً صحيحة، فإن المسألة تصبح أكثر أهمية، لأن حجم المواد التي تدخل إلى الوحدة يحدد جزءاً كبيراً من طبيعة المخاطر البيئية التي يجب التحكم فيها.
لكن قبل اعتماد أي رقم، هناك حاجة إلى الرجوع إلى الترخيص الرسمي ودراسة المشروع لمعرفة الطاقة الحقيقية المسموح بها.
والسؤال هنا بسيط:
هل يتعلق الأمر بمشروع صغير لتثمين بعض النفايات العضوية، أم بوحدة صناعية تستقبل مئات الأطنان يومياً؟
ماذا عن الروائح؟
النفايات العضوية ليست مادة عادية.
وفي حال تخزينها أو نقلها أو معالجتها بطريقة غير محكمة، يمكن أن تنتج روائح وانبعاثات مزعجة.
لذلك فإن السؤال الذي يهم سكان المنطقة مباشرة هو:
هل يتوفر المشروع على منظومة لمعالجة الروائح؟ وكيف ستتم عملية استقبال المواد العضوية وتخزينها قبل إدخالها إلى وحدات التربية؟
وإذا كان المصنع سيعمل على مدار الساعة، فكيف ستكون حركة الشاحنات في المنطقة؟
الخطر الذي يخشاه الفلاحون.. ليس «الذبابة»
الفلاحون في منزل بوزلفة يطرحون مسألة أخرى أكثر حساسية: المياه الجوفية والتربة.
فالقلق هنا لا يتعلق بالحشرة بحد ذاتها، وإنما بإمكانية تسرب السوائل الناتجة عن المواد العضوية إذا لم تكن منظومة التصرف فيها محكمة.
وهنا تظهر كلمة تقنية لا يمكن تجاوزها: العصارة.
هل أرضية الوحدة عازلة؟
هل توجد شبكة لجمع العصارة؟
أين ستذهب هذه السوائل؟
هل ستتم معالجتها؟
وهل هناك برنامج لمراقبة التربة والمياه الجوفية في محيط المشروع؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالتصريحات، وإنما بالوثائق والاختبارات والرقابة الميدانية.
لماذا المستشفى في قلب الجدل؟
قرب المشروع من المستشفى المحلي جعل الاحتجاجات أكثر حساسية.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن وجود مصنع لتربية يرقات الجندي الأسود بالقرب من مستشفى يؤدي تلقائياً إلى خطر صحي.
لكن قرب منشأة صناعية تتعامل مع مواد عضوية بكميات كبيرة من مؤسسة صحية يفرض طرح أسئلة إضافية حول الروائح، حركة الشاحنات، الضجيج، الحشرات والآفات الثانوية، وإدارة النفايات والسوائل.
وهل تم تقييم هذه العناصر قبل اختيار الموقع؟
هل هناك دراسة تأثير على البيئة؟
هنا تكمن النقطة المركزية في الملف.
هل أُنجزت دراسة تأثير على البيئة قبل الترخيص للمشروع؟
وإذا كانت الدراسة موجودة:
- ماذا قالت عن الموقع؟
- هل درست قرب المستشفى؟
- هل درست تأثير المشروع على المائدة المائية؟
- ماذا قالت عن الروائح؟
- ماذا قالت عن حركة الشاحنات؟
- ما هي إجراءات الوقاية التي فرضتها؟
- وهل توجد متابعة دورية بعد دخول الوحدة حيز النشاط؟
كما يطرح الأهالي سؤالاً آخر حول دور الوكالة الوطنية لحماية المحيط في معاينة المشروع ومراقبة مدى احترامه للشروط البيئية.
لا اتهام قبل الوثائق.. ولا تطمينات بلا وثائق
في المقابل، من المهم عدم تحويل الاحتجاجات إلى حكم مسبق على المشروع.
فلا توجد، بمجرد تنظيم وقفة احتجاجية، أدلة تثبت أن الوحدة تشكل خطراً صحياً على سكان المنطقة.
وبالمثل، لا تكفي الإشارة إلى أن «ذبابة الجندي الأسود» تستخدم عالمياً لتأكيد أن كل مشروع لتربيتها آمن في أي موقع وتحت أي ظروف.
الحقيقة توجد في مكان آخر:
في دراسة التأثير على البيئة، وفي رخصة المشروع، وفي طاقته الحقيقية، وفي شروط تشغيله، وفي نظام معالجة النفايات والعصارة والروائح، وفي مدى احترامه للمسافات والضوابط القانونية.
السؤال الأكبر: من اختار الموقع؟
قد يكون المشروع جزءاً من توجه حديث نحو تثمين النفايات العضوية وإنتاج مواد ذات قيمة اقتصادية.
لكن حتى المشاريع التي تحمل عنواناً بيئياً تحتاج إلى اختيار دقيق للموقع ورقابة صارمة.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينتظر أهالي منزل بوزلفة إجابة واضحة عنه هو:
لماذا تم اختيار هذا الموقع تحديداً؟
وهل تمت مقارنة هذا الموقع بمواقع أخرى؟
وهل قربه من المستشفى والمناطق السكنية والفلاحية كان حاضراً في عملية الاختيار؟
ملف مفتوح على كل الاحتمالات
ما يحدث في منزل بوزلفة لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين «التنمية» و«البيئة».
المشروع يمكن أن يكون ذا جدوى اقتصادية وبيئية إذا احترم الشروط والمعايير، ويمكن في المقابل أن تصبح طريقة اختياره أو تشغيله محل إشكال إذا كشفت الدراسات وجود مخاطر أو نقائص.
ولهذا فإن المطلوب الآن ليس إلغاء المشروع عبر الاحتجاج، ولا الدفاع عنه عبر التصريحات.
المطلوب ببساطة هو فتح الوثائق أمام الرأي العام.
من صاحب المشروع؟
ما هي كلفته وطاقة استيعابه؟
ما نوع النفايات التي سيستقبلها؟
من أين ستأتي؟
كم تبلغ الكمية اليومية؟
ما هي المسافة عن المستشفى والمدارس والمساكن؟
أين ستذهب العصارة؟
كيف ستتم معالجة الروائح؟
ما مصير المخلفات؟
وماذا قالت الجهات البيئية والصحية المختصة؟
إجابات هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان منزل بوزلفة أمام مشروع لتثمين النفايات يمكن أن يتحول إلى تجربة ناجحة، أم أمام مشروع يحتاج إلى مراجعة موقعه وشروط تشغيله.
وإلى أن تظهر الوثائق الرسمية، يبقى أخطر ما في القضية ليس «الذباب الأسود» نفسه، وإنما غياب الإجابات الواضحة عن مشروع يثير قلق سكان منطقة كاملة.