لم يتوقف الجدل الذي أثارته مواقف النائب أحمد سعيداني عند حدود الاختلاف السياسي أو تقييم أفكاره وتصريحاته، بل سرعان ما انتقل إلى مساحة أكثر حساسية: هل يمكن تفسير المواقف السياسية لشخصية عامة من خلال علم النفس؟ وهل أصبح النقاش حول سعيداني نقاشًا حول شخصه أم حول الأفكار التي يطرحها؟
البداية جاءت مع قراءة نشرها عادل لطيفي لمواقف سعيداني، اعتبر فيها أن تفسيرها لا ينبغي أن يبقى في إطار التصنيفات السياسية التقليدية، مثل اليمين واليسار والمحافظ والتقدمي، بل يمكن، حسب رأيه، قراءتها من زاوية نفسية.
لطيفي ذهب أبعد من ذلك، فتحدث عن أنماط نفسية وسلوكية قال إنها تظهر في مواقف النائب، من بينها ما وصفه بـ«الكتلة النفسية التسلطية»، والإسقاطية، وتمجيد القوة، والهرب من مواجهة الذات، وربط بعض مواقفه تجاه المرأة بهذه القراءة. كما اعتبر أن هذه الظاهرة لا تخص سعيداني وحده، بل يمكن أن تكون، وفق طرحه، جزءًا من فهم أوسع لما سماه «منظومة قيس سعيد».
لكن هذا الطرح لم يمر دون اعتراض.
أحد أبرز الاعتراضات جاء من المعلّق صابر المعروفي، الذي قال إنه لا يدافع عن سعيداني، لكنه يرى أن بناء «بروفايل نفسي» متكامل انطلاقًا من تصريحات تلفزية أو منشورات على فيسبوك أمر مبالغ فيه، معتبرًا أن ترك مثل هذه المهمة للمختصين في علم النفس هو الخيار الأكثر علمية.
وهنا انتقل النقاش من ماذا يقول سعيداني؟ إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا: هل يحق لنا أن نفسّر الشخص قبل أن نناقش فكرته؟
من السياسة إلى «أريكة فرويد»
التعليقات لم تكتفِ بالاختلاف حول التحليل النفسي، بل دخلت مباشرة في صلب القضايا التي أثارتها مواقف سعيداني، وخاصة مجلة الأحوال الشخصية.
أحد المعلقين رأى أن التونسيين، رجالًا ونساءً، لديهم مشكلة مع مجلة الأحوال الشخصية، ووصف المجتمع التونسي بأنه «متحجر».
وفي الاتجاه نفسه، طرح آخرون أسئلة حول الغاية الأصلية من المجلة وما إذا كانت بعض أحكامها الحالية ما تزال تحقق الغاية التي وُضعت من أجلها.
أحد التعليقات قدّم قراءة واسعة للمسألة، معتبرًا أن الهدف الأساسي من مجلة الأحوال الشخصية هو تنظيم الحياة الأسرية وحماية الحقوق والواجبات وتحقيق قدر من الاستقرار. ومن هذا المنطلق، تساءل صاحب التعليق: إذا كانت الأسرة التونسية تواجه اليوم مشاكل كبيرة مرتبطة بالطلاق والعزوف عن الزواج وتراجع تكوين الأسر، فهل تصبح مراجعة المجلة موضوعًا مشروعًا للنقاش، بدل التعامل معها باعتبارها نصًا لا يجوز الاقتراب منه؟
وهكذا أصبح أحمد سعيداني مجرد نقطة انطلاق لنقاش أكبر.
المرأة في قلب المعركة
جانب آخر من التعليقات ركز على وضع المرأة بعد الطلاق، وعلى ما اعتبرته إحدى المشاركات اختلالات في حماية الزوجة، خصوصًا عندما لا تكون حاضنة للأطفال.
الطرح هنا انتقل من سؤال «هل سعيداني رجعي أم تقدمي؟» إلى سؤال مختلف تمامًا: هل تضمن المنظومة القانونية الحالية حماية عادلة للمرأة التي ساهمت في الحياة الزوجية ثم تجد نفسها، بعد انتهاء الزواج، في وضع اقتصادي واجتماعي هش؟
وهذا الطرح يفتح بدوره نقاشًا حول الملكية، والمساهمة داخل الأسرة، والسكن، والنفقة، والحضانة، وتقاسم الثروة التي تكونت خلال الحياة الزوجية.
أي أن النقاش لم يعد متعلقًا بالنائب وحده، بل أصبح نقاشًا حول العلاقة بين القانون والأسرة والمرأة والرجل.
«مليونان من العوانس»… عندما تدخل الديموغرافيا على الخط
بعض المداخلات ذهبت أبعد، وربطت النقاش حول مجلة الأحوال الشخصية بتراجع الزواج والخصوبة والتغيرات الديموغرافية في تونس.
وهنا تظهر نقطة تستحق التدقيق الصحفي: هل يمكن بالفعل تحميل مجلة الأحوال الشخصية مسؤولية التغير الديموغرافي أو العزوف عن الزواج؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالزواج في تونس يتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية عديدة: ارتفاع كلفة السكن، البطالة، تغير أنماط العمل، تأخر سن الزواج، تغير تطلعات الشباب، الوضع الاقتصادي، والهجرة وغيرها.
لذلك فإن تحويل كل هذه الظواهر إلى نتيجة مباشرة لقانون واحد قد يكون تبسيطًا لمشكلة اجتماعية شديدة التعقيد.
سعيداني في مواجهة «الكانبة»
ومن أكثر التعليقات دلالة على طبيعة النقاش تعليق ساخر قال بالفرنسية:
«Toute l’assemblée devrait passer par le canapé de Freud.»
أي أن «مجلس النواب بأكمله يحتاج إلى المرور على أريكة فرويد».
السخرية هنا تكشف شيئًا مهمًا: النقاش لم يعد فقط حول مواقف سعيداني، بل بدأ يمتد إلى السياسيين عمومًا، وإلى فكرة تفسير السلوك السياسي نفسه باعتباره نتاجًا لعقد أو صراعات نفسية.
لكن هذا المسار يحمل خطرًا واضحًا: أن يتحول تحليل الأفكار إلى تشخيص للأشخاص.
فمن حق أي شخص أن ينتقد موقف نائب بشأن المرأة أو الزواج أو مجلة الأحوال الشخصية، وأن يقول إن حجته ضعيفة أو متناقضة أو غير مقنعة. لكن وصفه باضطراب أو عقدة أو بنية نفسية معينة يحتاج إلى أدوات ومنهج لا توفرها مجرد مشاهدة مقابلة تلفزية أو قراءة منشور على فيسبوك.
حتى منتقدو سعيداني اختلفوا حول طريقة نقده
المفارقة أن بعض المشاركين في النقاش لم يدافعوا عن سعيداني سياسيًا، لكنهم اعترضوا على الطريقة التي تتم بها مهاجمته.
أحدهم اعتبر أن تسليط الضوء على ما وصفه بـ«اللغو والهذر» قد يؤدي إلى منحه مزيدًا من الانتشار، لأن الجدل والشتائم يوفران له مساحة إضافية للظهور.
وفي المقابل، هناك من تعامل مع مواقفه باعتبارها تعبيرًا عن مشكلة أوسع في المجتمع التونسي، وخاصة في علاقته بالمرأة والأسرة والقانون.
وهكذا ظهرت ثلاثة مواقف مختلفة داخل النقاش نفسه:
موقف يفسّر سعيداني نفسيًا، وموقف يرفض التشخيص النفسي، وموقف ثالث يريد تجاوز الشخص أصلًا إلى مناقشة الأفكار والقوانين التي يطرحها.
من هو موضوع النقاش الحقيقي؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم التي كشفها الجدل.
ففي البداية كان السؤال: ماذا قال أحمد سعيداني؟
ثم أصبح: لماذا يقول ذلك؟
ثم تحول إلى: ما شخصيته النفسية؟
ثم اتسع أكثر ليصبح: ما الذي يحدث للأسرة التونسية؟ وهل تحتاج مجلة الأحوال الشخصية إلى مراجعة؟ وهل أصبحت بعض أحكامها غير ملائمة للتحولات الاجتماعية؟ وهل تتعلق الأزمة بالقانون أم بالاقتصاد أم بتغير المجتمع نفسه؟
وبذلك، فإن الجدل حول سعيداني كشف شيئًا يتجاوز شخص النائب: هناك نقاش تونسي مؤجل حول الأسرة والمرأة والزواج والطلاق ومجلة الأحوال الشخصية، لكنه غالبًا ما يُجرى في مناخ استقطاب يجعل كل رأي يُصنف سريعًا بين «رجعي» و«تقدمي».
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: هل سعيداني رجعي أم تقدمي؟
بل:
هل تستطيع تونس أن تناقش مستقبل الأسرة ومجلة الأحوال الشخصية بعيدًا عن التخوين والتصنيف السياسي والتشخيص النفسي؟
لأن القوانين يمكن مراجعتها، والأفكار يمكن نقدها، والمواقف يمكن رفضها أو الدفاع عنها، لكن تحويل الخصومة السياسية إلى تشخيص نفسي قد يجعلنا نهرب من السؤال الحقيقي: هل بعض القوانين تحتاج فعلًا إلى مراجعة، وإذا كانت تحتاجها، فما الذي يجب تغييره ولماذا؟



