الرئيسية أخبار تونس من يسيطر على صناعة قوارير المياه في تونس؟ وهل كشفت أزمة الصيف...

من يسيطر على صناعة قوارير المياه في تونس؟ وهل كشفت أزمة الصيف هشاشة إحدى أهم حلقات الإنتاج؟

0
10
blank

أعادت أزمة ندرة المياه المعلبة التي شهدتها تونس خلال صيف 2026 فتح ملف ظل بعيدا عن الأضواء لسنوات، وهو ملف صناعة القوارير البلاستيكية التي تمثل إحدى الركائز الأساسية لقطاع المياه المعدنية والمشروبات. فمع اختفاء كميات من المياه المعلبة من رفوف عدد من المساحات التجارية ونقاط البيع، تحدث عدد من أصحاب مصانع المياه عن صعوبات في الحصول على القوارير بالكميات المطلوبة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى قدرة هذه الصناعة على تلبية حاجيات السوق، وحول طبيعة المنافسة بين المنتجين.

وتزامنت هذه التطورات مع موجة حر استثنائية رفعت الطلب على المياه المعلبة إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كانت الأزمة تعود إلى نقص في الإنتاج، أو إلى اضطرابات في التوزيع، أو إلى وجود تركيز كبير في سوق تصنيع القوارير البلاستيكية.

وتبين متابعة سلسلة إنتاج المياه المعلبة أن أغلب المصانع لا تقوم بتصنيع القوارير البلاستيكية من المواد الخام، وإنما تعتمد على شراء القوالب البلاستيكية الأولية التي يتم تسخينها ونفخها داخل مصانع التعبئة لتتحول إلى قوارير جاهزة للاستعمال، وهو ما يجعل استمرار الإنتاج مرتبطا بانتظام تزويد هذه المصانع بمواد التغليف.

وتضم السوق التونسية عددا من المؤسسات الصناعية المتخصصة في هذا النشاط، من بينها شركة لابريفورم التابعة لمجموعة الشركة التونسية لصناعة المشروبات، وشركة إنباكت، وشركة سيبا تونس، وشركة سوميبام، إلى جانب مؤسسات أخرى تنشط في صناعة مواد التغليف البلاستيكية. وتنتج هذه الشركات القوالب الأولية والأغطية البلاستيكية التي تعتمد عليها مصانع المياه والمشروبات والصناعات الغذائية.

ويؤكد وجود أكثر من منتج في السوق أن صناعة القوارير البلاستيكية لا تقتصر على مؤسسة واحدة، كما لا توجد إلى حد الآن أي معطيات رسمية أو قرارات صادرة عن مجلس المنافسة أو وزارة التجارة أو وزارة الصناعة تثبت وجود احتكار قانوني لهذا النشاط أو تحميل أي شركة مسؤولية الاضطرابات التي عرفها السوق خلال هذا الصيف.

غير أن تعدد المنتجين لا يمنع من طرح تساؤلات مشروعة حول مدى تركيز السوق. فالسؤال لا يتعلق بعدد المؤسسات الصناعية فحسب، وإنما أيضا بحجم إنتاج كل مؤسسة وحصتها السوقية ومدى اعتماد مصانع المياه عليها. وإذا كانت نسبة كبيرة من الإنتاج تعتمد على عدد محدود من المزودين، فإن أي اضطراب في إحدى حلقات التزويد قد ينعكس بسرعة على بقية المصانع، حتى في غياب أي وضع احتكاري.

وفي هذا السياق، لا تتوفر إلى اليوم بيانات رسمية تبين الحصص السوقية لكل مصنع أو الطاقة الإنتاجية الفعلية أو حجم الطلبيات التي تلبيها كل مؤسسة، وهو ما يجعل من الصعب إصدار أحكام قاطعة بشأن طبيعة المنافسة داخل هذا القطاع.

وفي المقابل، تداولت بعض الصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي تفسيرات تربط أزمة المياه المعلبة بنقص عالمي في المواد البلاستيكية المستعملة في صناعة القوارير، أو بتوقف بعض المنتجين عن تزويد مصانع المياه بالكميات المطلوبة.

غير أن المعطيات المتوفرة لا تؤكد هذه الروايات. فصحيح أن الأسواق العالمية شهدت خلال السنوات الأخيرة تقلبات في أسعار وتوريد المواد البلاستيكية نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية، إلا أنه لا يوجد ما يثبت أن النقص العالمي في هذه المواد كان السبب المباشر لأزمة المياه المعلبة في تونس خلال الفترة الحالية، كما لم تصدر أي تصريحات رسمية تربط بين الأمرين.

كما لا توجد معطيات أو وثائق رسمية تثبت أن أي شركة تونسية تعمدت إيقاف أو تقليص تزويد مصانع المياه بالقوالب البلاستيكية، ولذلك فإن تحميل المسؤولية لأي مؤسسة بعينها لا يستند، في الوقت الراهن، إلى أدلة منشورة أو تحقيقات رسمية.

من جهته، أكد الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه أن تونس لم تعرف نقصا في إنتاج المياه المعلبة، معتبرا أن الاضطرابات التي ظهرت في بعض نقاط البيع تعود أساسا إلى الارتفاع الكبير في الطلب بسبب موجة الحر، إضافة إلى صعوبات لوجستية في التوزيع، وليس إلى توقف الإنتاج.

غير أن هذا التفسير الرسمي لا يلغي الحاجة إلى توضيحات إضافية بشأن شكاوى عدد من المنتجين الذين أكدوا أنهم واجهوا صعوبات في الحصول على القوارير خلال ذروة الاستهلاك، وهو ما يطرح أسئلة حول مدى جاهزية الصناعات المساندة لمواكبة الطلب الموسمي المرتفع.

وتكشف هذه الأزمة أيضا أهمية الصناعات التي تعمل في الظل، إذ إن توفر المياه المعلبة لا يرتبط فقط بالعيون المائية أو خطوط التعبئة، بل يعتمد كذلك على انتظام إنتاج القوالب البلاستيكية والأغطية ومواد التغليف وسلاسة تزويد المصانع بها.

ويرى متابعون للشأن الصناعي أن تعزيز الشفافية في هذا القطاع أصبح ضرورة، من خلال نشر بيانات حول الطاقة الإنتاجية لمصنعي القوالب البلاستيكية، وحجم الطلب المحلي، ومصادر التزود بالمواد الأولية، والحصص السوقية لكل مؤسسة، بما يساعد على تقييم قدرة القطاع على مواجهة فترات الذروة وتفادي اضطرابات التزويد.

وتخلص المعطيات المتوفرة إلى أن أزمة هذا الصيف كشفت هشاشة إحدى أهم حلقات سلسلة إنتاج المياه المعلبة، لكنها لم تقدم في المقابل دليلا على وجود احتكار في صناعة القوارير البلاستيكية أو على مسؤولية شركة بعينها عن الاضطرابات التي عرفها السوق. ويبقى من الضروري أن تبادر الجهات المختصة إلى نشر المعطيات الكفيلة بتوضيح الصورة للرأي العام، حتى يستند النقاش إلى الوقائع والأرقام، بعيدا عن الشائعات أو الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.