لم يكن اللقاء الذي جمع، الأربعاء بقصر قرطاج، رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي علي عباس، لقاءً بروتوكوليًا عاديا، بل جاء ليعيد إلى الواجهة أحد أكثر الملفات التي راهن عليها رئيس الدولة منذ سنوات، باعتباره مشروعًا قادرًا على استرجاع مليارات الدنانير التي يعتبر أنها سُلبت من الشعب التونسي، وتحويلها إلى مشاريع تنموية في الجهات، بدل أن تبقى محل نزاعات قضائية قد تمتد لسنوات.
وخلال اللقاء، دعا رئيس الجمهورية إلى الإسراع في البت في الملفات، منتقدًا ما وصفه بـ »متاهات الإجراءات » التي قال إن البعض يلجأ إليها لإطالة أمد القضايا أو للابتزاز المقنع. كما شدد على أن حق الدولة في استرجاع الأموال « لا يسقط بالتقادم »، مؤكدا أن الهدف ليس التشفي من أي طرف أو الإبقاء على رجال الأعمال في السجون أو في حالة فرار، وإنما استرجاع الأموال وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية لفائدة التونسيين.
لكن تصريحات الأمس لم تكن جديدة في مضمونها، بل جاءت امتدادًا لسلسلة طويلة من المواقف التي كررها قيس سعيّد منذ أكثر من عقد، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يزال مشروع الصلح الجزائي، رغم إعادة تشكيل لجانه أكثر من مرة، يبحث عن الانطلاقة الحقيقية؟
فكرة ولدت قبل الوصول إلى قصر قرطاج
قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية، كان قيس سعيّد يطرح منذ سنة 2012 تصورًا قانونيًا يقوم على إبرام صلح مع رجال الأعمال والأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات تتعلق بالحصول على مكاسب غير مشروعة، مقابل استرجاع الأموال أو توظيفها في مشاريع تنموية بالمناطق التي عانت طويلًا من التهميش.
وكان يعتبر أن هذا المسار أكثر نجاعة من ترك الملفات تتنقل بين المحاكم لسنوات طويلة دون أن تستفيد الدولة فعليًا من الأموال التي تبحث عن استرجاعها.
ومع انتخابه رئيسًا للجمهورية، تحولت الفكرة إلى أحد أبرز محاور مشروعه السياسي، قبل أن تكتسب صبغة قانونية بصدور المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته.
من القانون إلى الواقع… طريق مليء بالعقبات
عند صدور المرسوم، سادت توقعات بأن تنطلق الدولة بسرعة في استرجاع الأموال المنهوبة، وأن تتحول هذه الموارد إلى مصدر تمويل لمشاريع التنمية، خصوصًا في المناطق الداخلية.
ولهذا الغرض أُحدثت اللجنة الوطنية للصلح الجزائي، التي أوكلت إليها مهمة دراسة الملفات والتفاوض مع المعنيين وإبرام اتفاقيات الصلح.
غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن الطريق لم يكن بالسهولة التي تصورها كثيرون.
فاللجنة عرفت أكثر من إعادة تشكيل، كما تعاقب على رئاستها أكثر من مسؤول، وشهدت تغييرات في تركيبتها، في كل مرة على أمل إعطاء دفعة جديدة للمشروع بعد بطء نسق الإنجاز.
وكان رئيس الجمهورية نفسه يقر، في مناسبات مختلفة، بأن العمل لم يبلغ النتائج المرجوة، منتقدًا التعقيدات الإجرائية والتأخير في معالجة الملفات.
رسائل متكررة… لكن النتائج محدودة
منذ سنة 2022، يكاد لا يخلو أي لقاء بين رئيس الجمهورية وأعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من الرسائل نفسها.
ففي كل مرة، يؤكد قيس سعيّد أن الدولة لا تريد الانتقام من رجال الأعمال، وإنما استرجاع الأموال العمومية.
ويشدد على أن الأموال المسترجعة يجب أن تتحول إلى مشاريع تنموية يستفيد منها المواطنون، لا أن تبقى مجرد أرقام في الملفات القضائية.
كما ينتقد باستمرار ما يعتبره عراقيل إدارية أو قانونية تعطل سير أعمال اللجنة، مؤكدًا أن من يقف وراء هذا التعطيل سيتحمل مسؤوليته.
ولعل أبرز مؤشر على عدم رضاه عن سير العمل هو لجوء رئاسة الجمهورية إلى إعادة تشكيل اللجنة أكثر من مرة، في محاولة لإعادة بعث هذا المسار.
لماذا تعثر المشروع؟
يرى متابعون أن تعثر الصلح الجزائي يعود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة.
فمن جهة، تتعلق الملفات بقضايا مالية معقدة تمتد على سنوات طويلة، وتتداخل فيها الجوانب الجبائية والجزائية والعقارية والإدارية.
ومن جهة أخرى، يتطلب التوصل إلى اتفاقيات صلح تقييمًا دقيقًا لقيمة الأموال المطلوب استرجاعها، وهو ما يستوجب خبرات مالية وقانونية متخصصة، إضافة إلى تنسيق بين عدة هياكل للدولة.
كما أن بعض الملفات تشمل ممتلكات داخل تونس وخارجها، أو شركات ومساهمات يصعب تحديد قيمتها النهائية، وهو ما جعل معالجة الملفات تستغرق وقتًا أطول من المتوقع.
رهان اقتصادي لا يقل أهمية عن الرهان القضائي
لا ينظر رئيس الجمهورية إلى الصلح الجزائي باعتباره مجرد آلية قانونية، بل يقدمه أيضًا كخيار اقتصادي.
ففي ظل الضغوط المتواصلة على المالية العمومية، وارتفاع كلفة الاقتراض، يرى أن استرجاع الأموال المنهوبة يمكن أن يوفر موارد إضافية لتمويل مشاريع البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، وخلق فرص العمل، خاصة في المناطق التي ظلت لعقود خارج دائرة الاستثمار.
ومن هذا المنطلق، كان يربط دائمًا بين الصلح الجزائي والعدالة الاجتماعية، معتبرًا أن الأموال المسترجعة يجب أن تعود إلى الجهات التي حُرمت من التنمية.
لقاء الأمس… بداية مرحلة جديدة؟
يحمل اللقاء الأخير أكثر من رسالة.
فالاستقبال جاء بعد إعادة تشكيل اللجنة وتعيين رئيس جديد لها، وفي وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية التي تجعل البحث عن موارد داخلية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
كما أن لهجة رئيس الجمهورية بدت أكثر حدة، سواء في حديثه عن ضرورة التسريع، أو في تأكيده أن حق الدولة لا يسقط بالتقادم، أو في انتقاده لمن يسعون، وفق تعبيره، إلى إغراق الملفات في متاهات إجرائية.
غير أن نجاح هذه المرحلة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، وإنما بحجم الأموال التي ستسترجع فعليًا، وعدد اتفاقيات الصلح التي ستبرم، والمشاريع التي ستنجز على أرض الواقع.
بين الوعد والإنجاز
منذ أن طرح قيس سعيّد فكرة الصلح الجزائي سنة 2012، ظل يعتبرها إحدى أهم الأدوات لتحقيق العدالة واسترجاع حقوق الدولة.
وبعد أكثر من أربع سنوات على تحويلها إلى مشروع رسمي عبر المرسوم المنظم لها، لا يزال هذا الملف يراوح بين الطموح الكبير والنتائج المحدودة.
ومع إعادة تشكيل اللجنة الوطنية للصلح الجزائي أكثر من مرة، وإصرار رئيس الجمهورية في كل مناسبة على ضرورة التسريع، تبدو المرحلة الحالية بمثابة اختبار جديد لهذا المشروع.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من التونسيين: هل تنجح اللجنة الحالية في تحقيق ما عجزت عنه التشكيلات السابقة، فتتحول الأموال المسترجعة إلى مشاريع يلمس المواطن أثرها، أم أن الصلح الجزائي سيظل مشروعًا يتجدد في الخطاب السياسي أكثر مما يتجسد في الواقع؟



