في كل مرة تتفاقم فيها الأزمة الاقتصادية في تونس، يعود سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد التعقيد في جوهره: هل البنوك أقوى من الدولة؟
سؤال يتكرر على مواقع التواصل، ويأخذ أحيانًا طابعًا اتهاميًا مباشرًا، خصوصًا مع الحديث عن شروط القروض، صعوبة التمويل، وارتفاع نفوذ المؤسسات المالية.
لكن خلف هذا الخطاب، تظهر صورة أكثر تركيبًا مما يبدو في النقاش العام.
سيولة قياسية خارج البنوك… لكن أين تذهب الأموال؟
تشير المعطيات النقدية المتداولة إلى ارتفاع حجم الأوراق النقدية المتداولة خارج الجهاز البنكي في تونس إلى مستويات قياسية تتجاوز 29.6 مليار دينار.
هذا الرقم يوحي لأول وهلة بوفرة مالية داخل الاقتصاد. لكن المفارقة أن البنوك التجارية نفسها تشتكي من ضغط على السيولة، وتلجأ بشكل متكرر إلى عمليات إعادة التمويل لدى البنك المركزي التونسي .
هنا يبدأ الجدل: كيف تكون السيولة مرتفعة في الاقتصاد ومنخفضة داخل البنوك في الوقت نفسه؟
مفارقة النظام المالي: مال كثير خارج القنوات الرسمية
الخبراء يصفون هذه الحالة بأنها ليست “نقص أموال”، بل اختلال في دوران السيولة.
بمعنى أبسط:
- الأموال موجودة
- لكنها لا تعود إلى البنوك
- بل تبقى في التداول النقدي أو خارج النظام المصرفي
هذا الوضع يضعف قدرة البنوك على الإقراض، رغم وجود كتلة نقدية كبيرة في الاقتصاد.
البنوك: قوة اقتصادية أم سلطة موازية؟
مصدر الجدل الأساسي ليس حجم الأموال فقط، بل الدور الذي تلعبه البنوك في الاقتصاد اليومي:
- تمويل الشركات والأفراد
- التحكم في شروط الإقراض
- إدارة جزء كبير من الادخار الوطني
- تمويل الدولة عبر شراء سندات الخزينة
هذا النفوذ الاقتصادي يجعل البعض يعتقد أن البنوك أصبحت “فاعلًا فوق الدولة”، بينما يرى اقتصاديون أن الأمر يتعلق بوظيفة طبيعية في أي اقتصاد حديث.
الدولة لا تتنازل عن سلطتها… لكن تتحرك داخل قيود السوق
رغم هذا النفوذ، تبقى الدولة هي الطرف الذي يضع الإطار القانوني والرقابي الكامل للنظام المالي.
فالبنوك:
- تعمل ضمن قوانين واضحة
- تخضع لرقابة تنظيمية
- ولا يمكنها تجاوز سلطة التشريع أو التنظيم
لكن في المقابل، تعتمد الدولة نفسها بشكل كبير على البنوك لتمويل العجز، وهو ما يخلق علاقة اعتماد متبادل أكثر من كونها علاقة هيمنة.
أين يولد الانطباع بأن البنوك “أقوى”؟
هذا الإحساس الشعبي لا يأتي من فراغ، بل من مجموعة عوامل متراكمة:
- تشدد شروط القروض
- تباطؤ التمويل للاقتصاد الحقيقي
- ثقل الدين العمومي
- غياب بدائل تمويل قوية خارج القطاع البنكي
- ضعف الثقة في النظام المالي لدى جزء من المواطنين
هذه العناصر مجتمعة تصنع صورة ذهنية مفادها أن “قرار البنك أقوى من قرار المستثمر أو المواطن”.
الخلط الأساسي في النقاش العام هو بين نوعين من القوة:
- قوة سيادية: تمتلكها الدولة (قوانين، ضرائب، تنظيم)
- قوة مالية: تمتلكها البنوك (توجيه الائتمان والسيولة)
الأولى لا يمكن للبنوك امتلاكها، والثانية لا يمكن للدولة أن تتجاهلها.
القول إن “البنوك أقوى من الدولة” لا يصمد علميًا، لكنه يعكس واقعًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا:البنوك في تونس ليست سلطة بديلة للدولة، لكنها تمثل مركز ثقل اقتصادي كبير داخل منظومة تعتمد عليها الدولة نفسها في التمويل والاستقرار المالي.
وفي هذا التوازن الدقيق بين النفوذ والسيادة، يولد الجدل… ويستمر السؤال مفتوحًا.
