الرئيسية آخر الأخبار من يشغّل جيش المتسولين في تونس؟

من يشغّل جيش المتسولين في تونس؟

0
5
blank

يسير المارة على عجل أمام إشارات المرور، يخرج موظفون من البنوك حاملين رواتبهم، ويتردد المواطنون على مكاتب البريد لقضاء شؤونهم اليومية. وفي المسافة الفاصلة بين فرع بنك الإسكان ومكتب البريد بحي الغزالة، لا يحتاج الزائر إلى أكثر من دقائق قليلة ليحصي ستة متسولين؛ امرأة تحمل رضيعا، رجل مسن، شاب في مقتبل العمر، طفل يقترب من السيارات، وامرأتان من دول إفريقيا جنوب الصحراء. هذا المشهد ليس استثناء، بل يتكرر في أحياء العاصمة والمدن الكبرى، حتى أصبح يثير سؤالا لم يعد بالإمكان تجاهله: هل ما تزال تونس تواجه ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر، أم أنها أمام نشاط منظم تحول إلى اقتصاد خفي؟

شوارع أكثر… ومتسولون أكثر

قبل سنوات، كان التسول يتركز في محيط الجوامع أو الأسواق الشعبية. أما اليوم، فقد تمدد إلى إشارات المرور، والمركبات التجارية، ومحطات النقل، وأمام البنوك، والمصحات، وحتى المطاعم والمقاهي.

ويؤكد كثير من المواطنين أن عدد المتسولين ارتفع بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، لكن اللافت أكثر هو تغير طبيعة الظاهرة نفسها. فالمتسول لم يعد دائما شخصا مسنا أو عاجزا عن العمل، بل أصبح من بين المتسولين شباب أصحاء ونساء يحملن أطفالا، إضافة إلى مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

الدولة نفسها لا تعرف العدد

المفارقة أن الدولة لا تمتلك إلى اليوم رقما رسميا يحدد عدد المتسولين في تونس.

هذا الفراغ الإحصائي ظهر بوضوح في رد وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن على سؤال كتابي تقدم به النائب يسري البواب، حيث أكدت أنها تعمل على استكمال دراسة ميدانية حول ظاهرة تسول الأطفال تمهيدا لإعداد خطة وطنية متعددة القطاعات.

ويعني ذلك أن السلطات ما تزال في مرحلة تشخيص الظاهرة، رغم أنها أصبحت من أبرز مظاهر الفضاء العام.

كما أوضحت الوزارة أن مندوبي حماية الطفولة يتدخلون عند الإبلاغ عن حالات تشرد أو استغلال اقتصادي للأطفال، مع إمكانية إعادتهم إلى أسرهم أو إيداعهم بمؤسسات الرعاية، بينما يتم بالنسبة لكبار السن توفير الإحاطة الاجتماعية والصحية أو الإيواء عند الضرورة.

لكن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تعالج نتائج الظاهرة أكثر مما تعالج أسبابها.

بين الحاجة… والاستغلال

ليس كل متسول عضوا في شبكة منظمة، وليس كل من يطلب المساعدة محترفا للتسول.

غير أن ما يثير الريبة هو تكرار المشاهد نفسها يوميا في المواقع ذاتها، ووجود أشخاص يتناوبون على نقاط معينة، وظهور أطفال ورضع في ظروف قاسية لساعات طويلة، وهي مؤشرات دفعت الأجهزة الأمنية في أكثر من مناسبة إلى الكشف عن شبكات تستغل الأطفال أو الأشخاص في أوضاع هشة لتحقيق مكاسب مالية.

ويجرم القانون التونسي استغلال الأطفال في التسول، كما يعاقب كل من يستغل شخصا عاجزا أو قاصرا لتحقيق منفعة مالية.

هل أصبح التسول « مهنة »؟

يرى مختصون في علم الاجتماع أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية دفعت مزيدا من الأسر إلى الهشاشة.

لكنهم يشيرون في المقابل إلى أن جزءا من الظاهرة خرج عن إطار الحاجة، وأصبح بالنسبة إلى البعض نشاطا يدر دخلا يوميا مستقرا، خاصة في المواقع ذات الكثافة البشرية العالية.

وتؤكد شهادات عدد من أصحاب المحلات التجارية أن بعض المتسولين يصلون صباحا ويغادرون مساء في مواعيد ثابتة، فيما تتغير الوجوه بحسب الأيام والمناسبات الدينية أو صرف الأجور والمنح.

ولا توجد إلى اليوم دراسة رسمية تحدد حجم الأموال المتداولة في هذا النشاط، وهو ما يجعل الحديث عن « اقتصاد للتسول » فرضية تستحق الدراسة أكثر من كونها حقيقة مثبتة.

المهاجرون… بعد جديد للظاهرة

خلال السنوات الأخيرة، أضافت موجات الهجرة غير النظامية القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء بعدا جديدا للمشهد.

ففي العديد من التقاطعات الكبرى بالعاصمة وصفاقس وسوسة، أصبح المارة يشاهدون مهاجرين إلى جانب متسولين تونسيين، وهو ما يطرح تحديات اجتماعية وإنسانية وأمنية في آن واحد.

وتؤكد منظمات دولية أن جزءا من هؤلاء المهاجرين يعيش أوضاعا إنسانية صعبة، بينما لا تستبعد السلطات وجود شبكات تستغل بعضهم في أنشطة غير قانونية، من بينها التسول.

القانون موجود… لكن التطبيق يواجه تحديات

يعاقب القانون التونسي على استغلال الأطفال في التسول، كما يسمح للسلطات بالتدخل لحماية الأطفال والأشخاص في وضعيات هشاشة.

إلا أن التطبيق يصطدم بصعوبات عديدة، أبرزها:

  • غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة.
  • صعوبة التمييز بين المحتاج الحقيقي ومن يمارس التسول كمصدر دخل.
  • عودة العديد من المتسولين إلى الشارع بعد التدخل الاجتماعي.
  • نقص مراكز الإيواء وبرامج الإدماج.

هل تكفي المقاربة الاجتماعية؟

الإجابة الحكومية ركزت على الحماية الاجتماعية، والوساطة العائلية، والإيواء، والرعاية الصحية والنفسية.

لكن خبراء يرون أن معالجة الظاهرة تتطلب خطة أوسع تشمل وزارات الداخلية، والعدل، والشؤون الاجتماعية، والأسرة، والتشغيل، إلى جانب البلديات والمجتمع المدني.

فالطفل الذي يتسول يحتاج إلى الحماية، والمسن يحتاج إلى الرعاية، لكن من يستغل هؤلاء يجب أن يلاحق قضائيا.

أسئلة تنتظر الإجابة

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم عدد المتسولين في تونس؟

لا أحد يملك الإجابة.

وكم عدد الأطفال المستغلين؟

لا توجد إحصاءات رسمية.

وكم من المتسولين يمارسون ذلك بدافع الحاجة، وكم منهم ضمن شبكات منظمة؟

لا توجد أيضا بيانات دقيقة.

لهذا تبدو الدراسة التي أعلنت عنها وزارة الأسرة خطوة ضرورية، لكنها لن تكون كافية إذا لم تتحول نتائجها إلى سياسة وطنية واضحة.

فالتسول لم يعد مجرد مشهد عابر في الشارع، بل أصبح مؤشرا على اختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة، وفي بعض الحالات بابا لاستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

ولعل أخطر ما في الظاهرة ليس عدد المتسولين، بل أن المجتمع بدأ يعتاد وجودهم، حتى أصبح المرور أمامهم جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، دون أن يتوقف كثيرون لطرح السؤال الأصعب: كيف وصلت تونس إلى هذا المشهد؟