لم تعد تونس، منذ سنوات، دولة نفطية بالمعنى المتعارف عليه، كما أن معظم الحقول التي ما تزال تؤمّن جزءاً من إنتاجها النفطي دخلت مرحلة متقدمة من عمرها الإنتاجي، وهو ما يفسّر جانباً مهماً من التراجع المتواصل للإنتاج الوطني.
وتشير المعطيات المتعلقة بأهم الحقول التونسية إلى أن حقلي عشتارت والبورمة، وهما من أبرز الحقول التي دخلت مرحلة الاستغلال منذ عقود، يشهدان تراجعاً مستمراً في الإنتاج.
وسجّل حقل عشتارت، وفق المعطيات المتداولة، انخفاضاً بنحو 49 بالمائة مقارنة بمستويات سنة 2025، فيما شهد حقل البورمة بدوره تراجعاً، وإن كان بوتيرة أقل حدة. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه إنتاجية الحقلين بعيدة جداً عن المستويات التي سجلاها خلال سنوات ذروة الإنتاج.
أما حقل الدولاب في ولاية القصرين، فقد وصل بدوره إلى مرحلة متقدمة من النضج، وأصبح استغلاله أكثر صعوبة وأقل مردودية مقارنة بالماضي.
ولا يقتصر الأمر على هذه الحقول، إذ إن عدداً كبيراً من الآبار التونسية التي لا تزال قيد الاستغلال دخلت هي الأخرى مراحل متقدمة من عمرها الإنتاجي، ما يجعل المحافظة على مستويات الإنتاج السابقة أكثر كلفة من الناحية التقنية والاستثمارية.
وتكشف أرقام الإنتاج الوطني حجم هذا التراجع. فبعد أن كان إنتاج النفط في تونس يدور حول 80 ألف برميل يومياً سنة 2010، تراجع إلى نحو 36 ألف برميل يومياً سنة 2019، قبل أن يصل حالياً إلى حدود 24 و25 ألف برميل يومياً وفق المعطيات المتاحة.
الكامور.. هل عمّقت الأزمة تراجع الإنتاج؟
في خضم هذا التراجع، يطرح ملف اعتصام الكامور في تطاوين نفسه كأحد العوامل التي كان لها تأثير على قطاع الإنتاج النفطي، وإن كان من غير الدقيق تحميله وحده مسؤولية الانخفاض الكبير الذي شهدته تونس خلال السنوات الماضية.
فقد أدى الاعتصام إلى غلق صمامات الإنتاج وتعطيل عدد من المنشآت النفطية خلال الفترة الممتدة من 16 جويلية إلى 5 نوفمبر 2020، وهي فترة طويلة نسبياً بالنسبة إلى حقول نفطية، وخاصة تلك التي وصلت أصلاً إلى مراحل متقدمة من عمرها الإنتاجي.
ومن الناحية الفنية، يمكن أن يؤدي التوقف الطويل عن الإنتاج في الحقول الناضجة إلى انعكاسات على أداء بعض الآبار والمنشآت، وقد يتطلب استئناف النشاط عمليات فنية وتدريجية قبل العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة.
وتزداد أهمية هذا العامل في بعض الحقول التي تعتمد على حقن المياه للمحافظة على ضغط المكمن وتحسين استخلاص النفط.
فالتوقف المطول لأنظمة الإنتاج والحقن يمكن أن يؤدي إلى تغيرات في ضغط المكمن، وإعادة توزيع السوائل داخله، إضافة إلى تراكم المياه في بعض المناطق، واضطراب التوازن بين الآبار المنتجة والآبار المخصصة للحقن.
كما قد تتطلب إعادة تشغيل المنشآت تدريجياً وإجراء تدخلات فنية في بعض الحالات، وهو ما يمكن أن ينعكس على حجم الإنتاج وتكاليف استعادته.
لكن الكامور ليس وحده المسؤول
ومع ذلك، فإن اختزال أزمة النفط في تونس في أحداث الكامور وحدها سيكون تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً.
فالسبب الأساسي وراء الانخفاض طويل المدى في الإنتاج يتمثل في تقدم عمر الحقول واستنزاف جزء مهم من الاحتياطات القابلة للاستخراج، إلى جانب عوامل أخرى من بينها التوقفات الإنتاجية، والمشاكل الفنية، وارتفاع كلفة استغلال الحقول الناضجة، فضلاً عن محدودية الاستثمارات في الاستكشاف وتجديد الاحتياطات.
وبالتالي، فإن أزمة الكامور يمكن أن تكون قد ساهمت في تعميق بعض الخسائر الإنتاجية أو التأثير في أداء عدد من المنشآت، لكنها لا تفسر بمفردها الانتقال من مستويات إنتاج تقارب 80 ألف برميل يومياً قبل أكثر من عقد إلى نحو 25 ألف برميل يومياً اليوم.
وتكشف هذه الأرقام، في النهاية، أن التحدي الحقيقي أمام تونس لا يتعلق فقط بإعادة تشغيل الآبار المتوقفة، بل يرتبط أساساً بقدرتها على تجديد احتياطاتها، واستقطاب استثمارات جديدة في الاستكشاف، وتطوير تقنيات الاستخراج من الحقول الناضجة، ووقف المسار المتواصل لتراجع الإنتاج الوطني.
