الرئيسيةآخر الأخبارهذه ليست سيدي بوسعيد

هذه ليست سيدي بوسعيد

قد يخيّل لمن يشاهد الصور للوهلة الأولى أن المكان يوجد في سيدي بوسعيد، بين الجدران البيضاء والأبواب الزرقاء والأقواس واللمسات المعمارية التي جعلت من القرية التونسية واحدة من أكثر المشاهد شهرة في المتوسط.

لكن الإجابة هذه المرة مختلفة.

المكان يوجد على بعد نحو 4000 كيلومتر عن تونس، وتحديداً في دولة قطر، داخل منتجع هيلتون سلوى، حيث تظهر ملامح تستلهم الروح المعمارية والثقافية التونسية في فضاء سياحي فاخر على الخليج العربي.

والمفارقة أن هذه الصور تأتي بعد أسابيع قليلة فقط من حدث تاريخي بالنسبة إلى تونس: ففي 25 جويلية 2026 أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو قرية سيدي بوسعيد رسمياً على قائمة التراث العالمي، لتصبح القرية بذلك جزءاً من التراث العالمي المعترف به من المنظمة الأممية.

blank

من قرية تونسية إلى مصدر إلهام عالمي

لم يكن اختيار سيدي بوسعيد للتراث العالمي قائماً فقط على اللونين الأبيض والأزرق اللذين اشتهرت بهما القرية.

فالملف الذي قدمته تونس إلى اليونسكو أبرز خصوصية القرية باعتبارها موقعاً ساحلياً تطور منذ القرن الثامن عشر حول زاوية الولي الصوفي سيدي بوسعيد، واحتفظ بنسيج معماري وثقافي متنوع، تراكمت داخله تأثيرات مختلفة عبر القرون.

ولهذا فإن انتقال بعض عناصر هذه الهوية إلى مشروع سياحي في الخليج يطرح فكرة تتجاوز الصورة الجميلة.

إنها قدرة الثقافة التونسية على أن تكون مادة للإلهام خارج حدود البلاد.

فما نراه في منتجع فاخر في قطر يذكّر بأن العمارة التونسية، وألوانها، وأقواسها، وأبوابها، وحرفها التقليدية، وفضاءاتها المتوسطية، يمكن أن تتحول إلى عناصر ذات قيمة في صناعة السياحة العالمية.

اليونسكو منحت سيدي بوسعيد اعترافاً.. فهل نحسن استثماره؟

إدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لا يعني فقط الحصول على لقب دولي.

قرار اليونسكو نفسه وضع أمام تونس مجموعة من التحديات، من بينها إعداد استراتيجية سياحية وخطة لإدارة السياحة، مع دراسة القدرة الاستيعابية للموقع ومواجهة مخاطر السياحة المفرطة، إلى جانب مواصلة تطوير خطة حماية وتعزيز الموقع. كما طلبت المنظمة من تونس تقديم تقرير حول تنفيذ هذه التوصيات قبل 1 ديسمبر 2027.

وهنا تكمن المفارقة.

في الوقت الذي أصبحت فيه سيدي بوسعيد تراثاً عالمياً، نرى عناصر من سحرها وهويتها تنتقل إلى مشروع سياحي فاخر خارج تونس، على بعد آلاف الكيلومترات.

وهذا لا يعني بالضرورة أن المشروع القطري «نسخة من سيدي بوسعيد»، ولا أن كل تفاصيله تونسية، وإنما يكشف كيف يمكن للهوية البصرية والثقافية لبلد ما أن تتحول إلى مصدر إلهام في صناعة السياحة والضيافة.

تونس تملك ما يمكن أن يلهم العالم

سيدي بوسعيد ليست الحالة الوحيدة.

فتونس تملك مخزوناً ضخماً من العمارة التقليدية والثقافة المحلية، من المدن العتيقة إلى القصور والقرى الأندلسية والواحات والقرى الجبلية والجنوب الصحراوي، فضلاً عن الصناعات التقليدية والمطبخ والموسيقى وفنون البناء والديكور.

لكن تحويل هذا الرصيد إلى اقتصاد ثقافي وسياحي حقيقي يحتاج إلى أكثر من المحافظة على المباني التاريخية.

يحتاج إلى الاستثمار، والتمويل، والتصميم الحديث، والقدرة على تحويل التراث إلى تجربة سياحية، وإلى إرادة تنظر إلى الثقافة ليس فقط باعتبارها ماضياً يجب حمايته، وإنما أيضاً باعتبارها أصلاً اقتصادياً قادراً على خلق الثروة وفرص العمل وجذب الاستثمارات.

وربما تختصر صورة مستوحاة من سيدي بوسعيد في منتجع فاخر بقطر المسألة كلها:

تونس لديها الجمال.. واليونسكو اعترفت بقيمته العالمية. فهل ننجح نحن في تحويل هذا الجمال إلى مشاريع تونسية تصل إلى العالم، بدلاً من أن يكتشف العالم قيمته ويستثمر فيه بعيداً عن تونس؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى