الرئيسيةآخر الأخبارهل إكتشف التونسيون «المؤامرة» قبل أجهزة الدولة؟

هل إكتشف التونسيون «المؤامرة» قبل أجهزة الدولة؟

تداولت صفحات وحسابات تونسية خلال الأيام الأخيرة منشورات تتحدث عن وجود «مخطط صهيوني» يستهدف تفكيك شمال إفريقيا وإعادة ما يُسمى بـ«السيناريو السوري»، مع دعوات للتونسيين إلى «الفيقة» والانتباه لما يحاك للمنطقة.

اللافت في هذه المنشورات ليس فقط مضمونها، وإنما المفارقة التي وقع فيها أصحابها وهم يحاولون الدفاع عن السلطة والدولة.

فصاحب المنشور يقدم نفسه، في نهاية الأمر، كمواطن عادي اكتشف مخططاً دولياً خطيراً يستهدف تونس والمنطقة، ويطلب من بقية التونسيين أن ينتبهوا ويتحركوا.

هنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان هذا المخطط بهذه الخطورة والحجم، فمن المفترض أن تكون أجهزة الدولة قد رصدته قبل أن يصل إلى صفحات فيسبوك، أليس كذلك؟

أين أجهزة الدولة؟
أين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية؟
أين الدبلوماسية التونسية؟
وأين المعلومات التي تستند إليها هذه الاستنتاجات؟

لأننا إذا صدقنا الرواية كما يقدمها أصحاب هذه المنشورات، فإن المواطن العادي أصبح يمتلك معلومات عن مخطط دولي أخطر مما تمتلكه مؤسسات الدولة نفسها.

وهنا بالضبط يقع التناقض.

هذا المدافع عن السلطة، جاء يطبّها عماها!

أراد أن يقول إن هناك مؤامرة كبيرة تحاك ضد تونس، وأن على التونسيين أن يقفوا إلى جانب دولتهم، لكنه من حيث لا يقصد يرسم صورة لدولة لا تعرف ما يدور حولها، ولا تكتشف الأخطار التي تستهدفها إلا بعد أن يكتشفها المواطن على فيسبوك.

والدفاع عن الدولة لا يكون بهذه الطريقة.

إذا كانت هناك فعلاً معلومات استخباراتية عن مخطط يستهدف تونس أو دول شمال إفريقيا، فإن مكانها الطبيعي ليس منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل مؤسسات الدولة وأجهزتها المختصة، التي يفترض أن تملك من المعلومات والقدرات ما يسمح لها برصد المخاطر والتعامل معها.

أما أن يصبح المواطن هو الذي يكتشف المخطط، ويحدد الجهة التي تقف وراءه، ويشرح أهدافه، ثم يطلب من الدولة أن «تفيق»، فهذه ليست رسالة قوة للدولة، بل يمكن أن تتحول إلى إحراج لها وانتقاص من قدراتها.

هل الدولة عاجزة إلى هذا الحد؟

المفارقة أن خطاباً هدفه في الأصل رفع معنويات أنصار السلطة والدفاع عنها قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً.

فبدلاً من القول إن الدولة قوية، ومؤسساتها يقظة، وأجهزتها تتابع ما يجري وتعرف كيف تحمي البلاد، يصبح مضمون الرسالة: «نحن كمواطنين اكتشفنا الخطر، فانتبهوا يا دولة».

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

إذا كان المواطن قد اكتشف المؤامرة، فماذا كانت تفعل الأجهزة التي يفترض أن تكون مهمتها اكتشافها؟

ولا يتعلق الأمر هنا بالدخول في معركة حول صحة كل نظرية متداولة على فيسبوك. فالعالم فعلاً يعيش صراعات ومنافسة على النفوذ، وشمال إفريقيا ليست معزولة عن التحولات الإقليمية والدولية.

لكن الفرق كبير بين التحليل السياسي والتحذير من مخاطر محتملة وبين تقديم «مخطط صهيوني لتفكيك شمال إفريقيا» باعتباره حقيقة ثابتة من دون تقديم وثائق أو مصادر يمكن التثبت منها.

الدولة القوية لا تحتاج إلى أن يقوم مواطنون مجهولون على فيسبوك بدور أجهزة الاستخبارات.

والسلطة التي تريد من المواطنين أن يثقوا في مؤسسات الدولة لا يفترض أن تحتاج إلى هذا النوع من الخطاب الذي يجعل المواطن يبدو وكأنه يعرف أكثر من مؤسساتها.

الدفاع عن السلطة لا يعني تبرير كل شيء

هناك فرق أيضاً بين حب البلاد والدفاع عنها، وبين تحويل كل حدث إقليمي إلى مؤامرة كبرى.

ومن حق أي تونسي أن يخاف على بلاده وأن يحذر من التدخلات الأجنبية، لكن الوطنية لا تعني أن نصدق كل ما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أن نستبدل المؤسسات الرسمية بمنشورات مجهولة المصدر.

بل إن الدفاع الحقيقي عن الدولة يبدأ بالمطالبة بأن تكون مؤسساتها قوية، وأجهزتها يقظة، ومعلوماتها دقيقة، ودبلوماسيتها حاضرة، وأن يعرف المواطن أين تقف بلاده من التطورات التي تمس أمنها ومصالحها.

أما أن يصبح فيسبوك هو المكان الذي نكتشف فيه المخططات الاستراتيجية التي تهدد البلاد، فهنا فعلاً يصبح السؤال أكثر إحراجاً من «المؤامرة» نفسها.

فهل أراد هؤلاء الدفاع عن السلطة، فإذا بهم ينتقصون من الدولة وأجهزتها؟

أم أن الحكاية ببساطة، كما يقول المثل التونسي:

«جاء يطبّها عماها»

blank
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى