عاد النقاش حول مستقبل الطاقة في تونس إلى الواجهة، بين دعوات لفتح ملف الطاقة النووية كخيار استراتيجي طويل المدى، ومطالب بتسريع الحلول العملية القادرة على تخفيف الضغط عن المنظومة الكهربائية في السنوات المقبلة.
ويأتي هذا الجدل في سياق إقليمي أوسع، حيث تشير دراسة حديثة للوكالة الدولية للطاقة حول تطور الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن المنطقة أصبحت منذ سنة 2000 من أبرز المساهمين في نمو الطلب العالمي على الكهرباء، بعد أن كانت تُعرف أساسا بدورها كمصدر رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.
وحسب الدراسة، فإن ارتفاع الطلب على الكهرباء في المنطقة يرتبط بعدة عوامل هي النمو السكاني، والتوسع الحضري، وارتفاع درجات الحرارة، وهي عوامل تجعل توفير أنظمة كهربائية موثوقة ومرنة تحديا أساسيا خلال السنوات المقبلة.
وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن أكبر محركات نمو الطلب على الكهرباء في المنطقة تتمثل أساسا في التبريد وتحلية المياه، باعتبارهما مرتبطين مباشرة بالظروف المناخية القاسية وندرة الموارد المائية، في حين تمثل مراكز البيانات والسيارات الكهربائية عوامل إضافية ستساهم مستقبلا في زيادة الاستهلاك.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لتونس، التي تواجه بدورها ارتفاعا في الطلب على الكهرباء، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تأمين موارد الطاقة وتقليص التبعية للخارج.
فؤاد علي: الطاقة النووية خيار للمستقبل
في هذا الإطار، دعا المهندس والخبير في الطاقة فؤاد علي إلى فتح نقاش وطني حول مستقبل الطاقة النووية في تونس، باعتبارها أحد الخيارات القادرة على دعم الأمن الطاقي على المدى الطويل.
وأكد أن الاختلال بين إنتاج الكهرباء والطلب عليها ليس ظرفيا، بل مرشح للاستمرار خلال السنوات المقبلة، نتيجة ارتفاع الحاجيات الطاقية وتغير أنماط الاستهلاك.
وأوضح أن الطاقة النووية لا تمثل حلا للأزمة الحالية، بل خيارا استراتيجيا يحتاج إلى تخطيط طويل المدى، في حين يمكن اتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين أداء المنظومة الحالية.
وأشار إلى أن تحسين استغلال محطات الإنتاج الموجودة حاليا يمكن أن يوفر ما بين 100 و200 ميغاواط إضافية، إلى جانب مراجعة سياسة التعريفة، وترشيد الاستهلاك، وتسريع الاستثمارات الطاقية.
منجي مرزوق: لا تعارض بين النووي والحلول العاجلة
من جهته، اعتبر وزير الصناعة والطاقة السابق منجي مرزوق أن الأولوية تتمثل في إعداد خارطة طريق وطنية للأمن الطاقي عبر حوار يجمع مختلف المتدخلين، من وزارة ومؤسسات طاقة وخبراء وفاعلين اقتصاديين.
واقترح تنظيم أسبوع وطني للطاقة بشكل دوري لتقييم السياسات الطاقية ومراجعة المشاريع وتحيين الأهداف، باعتبار أن التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة تتطلب متابعة مستمرة.
وبخصوص الطاقة النووية، أوضح مرزوق أن هذا الخيار لا يتعارض مع الحلول التي يقترحها على المدى القصير والمتوسط، مشيرا إلى أن مشاريع الكهرباء النووية تتطلب وقتا طويلا، وتمويلات ضخمة، وكفاءات عالية، إضافة إلى شروط صارمة جدا في مجال السلامة.
وأكد أن مختصين داخل الشركة التونسية للكهرباء والغاز يتابعون هذا الملف، باعتباره خيارا يحتاج إلى دراسة دقيقة.
حلول أسرع لتعزيز الأمن الطاقي
ويرى مرزوق أن تونس قادرة على تحقيق نتائج أسرع عبر مجموعة من الإجراءات، من بينها:
- تطوير الإنتاج الذاتي للكهرباء لدى المؤسسات الصناعية والتجارية والفلاحية.
- تشجيع الاستثمار في أنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات، سواء على مستوى شبكة الكهرباء الوطنية، أو المحطات الكبرى لتوليد الكهرباء، أو مشاريع الإنتاج الذاتي.
- تسريع إنجاز مشاريع إنتاج الكهرباء الكبرى، ومنها محطتا الصخيرة.
- إنشاء محطة لاستقبال ومعالجة الغاز الطبيعي المسال لتعزيز أمن التزود.
- إنجاح المفاوضات مع الجزائر بشأن تجديد عقد تزويد تونس بالغاز.
- معالجة الوضعية المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز عبر تسوية ديونها ومستحقاتها بما يسمح لها بمواصلة الاستثمار.
تونس أمام ضرورة بناء مزيج طاقي جديد
ويظهر من خلال هذا النقاش أن مستقبل الطاقة في تونس لن يرتبط بخيار وحيد، بل ببناء مزيج طاقي يجمع بين تطوير الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتعزيز الإنتاج الذاتي، وتطوير التخزين، وتأمين مصادر الغاز، مع إبقاء الخيارات الكبرى مثل الطاقة النووية ضمن رؤية طويلة المدى.
فالتحولات التي ترصدها الوكالة الدولية للطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تؤكد أن الطلب على الكهرباء سيواصل الارتفاع خلال العقد المقبل، وأن الدول التي ستنجح ستكون تلك التي تستبق هذا التحول بسياسات مرنة تجمع بين الإنتاج والاستدامة والأمن الطاقي.



