الرئيسية آخر الأخبار هل فقد التونسيون القدرة على الاختلاف دون عداوة؟ تدوينة للمولدي قيسومة تشعل...

هل فقد التونسيون القدرة على الاختلاف دون عداوة؟ تدوينة للمولدي قيسومة تشعل نقاشاً حول «معابد» الأحزاب و«طوائف» السياسة

0
1
blank

أثارت تدوينة للباحث والكاتب المولدي قيسومة نقاشاً واسعاً حول طبيعة الخلاف السياسي والفكري في تونس، بعدما اختصر أزمة التعايش في ثلاث عبارات لافتة: «أحزابنا معابد، ومجموعاتنا طوائف، وخلفياتنا الفكرية عقائد»، قبل أن يخلص إلى نتيجة أكثر تشاؤماً: «مقوّمات التعايش مع بعضنا ماشية وتضيع».

blank

التدوينة لم تتوقف عند حدود الملاحظة، بل فتحت في التعليقات نقاشاً حول الأسباب التي جعلت الاختلاف السياسي والفكري يتحول، في كثير من الأحيان، إلى خصومة شخصية وتخوين وإقصاء.

أحد المتفاعلين اعتبر أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لـ«خطاب التقسيم»، فيما ذهب آخر إلى أن التونسيين يتحملون جميعاً جانباً من المسؤولية، معدداً ما وصفه بـ«جشع النخبة وطمعها، وفشل الإعلام، وجهل معظم الناس، وانتظار من يأتي ليخلصنا».

وفي اتجاه آخر، رأى معلقون أن المشكلة تتجاوز الأحزاب إلى طريقة إدارة الاختلاف نفسها. فقد تحدث أحدهم عن تصاعد خطاب «عنيف، رافض، إقصائي، استئصالي، تخويني، ترذيلي، تهجمي وتقسيمي»، معتبراً أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى أبرز ساحاته.

من الاختلاف إلى «الخلاف»… ومن الخصم إلى العدو

المثير في النقاش أن عدداً من التعليقات أعاد صياغة الفكرة الأساسية للتدوينة بطريقة أكثر مباشرة: المشكلة ليست في أن يكون للتونسيين أفكار سياسية مختلفة، بل في أن يتحول الاختلاف إلى رفض للآخر، وأن يصبح كل طرف مقتنعاً بأنه يمتلك الحقيقة وحده.

أحد المعلقين كتب أن التعصب في الأفكار يصبح قاتلاً عندما يتحول إلى أفعال، ومدمراً عندما يمتلك صاحبه السلطة وأدوات القوة.

وفي تعليق آخر، ظهرت دعوة إلى تجاوز الانتماءات الحزبية والأيديولوجية عبر «ميثاق وطني» يقوم على مجموعة من المبادئ والمصلحة الوطنية.

لكن النقاش لم يخل من السجال السياسي المباشر. فقد ربط أحد المعلقين حالة التشتت بما اعتبره «تغييباً» لأحمد نجيب الشابي، بينما ردت تعليقات أخرى على الفكرة من زوايا أيديولوجية مختلفة، بما يؤكد أن الحديث عن التعايش نفسه لا يزال يمر عبر الاصطفاف السياسي.

«رؤساؤنا أصنام»… عندما يصبح الولاء للشخص

ومن أكثر العبارات التي لفتت الانتباه في التعليقات، تعليق اختصر المشكلة في جملة قصيرة: «ورؤساؤنا أصنام».

وهي عبارة تفتح باباً آخر للنقاش: هل تحولت السياسة في تونس من صراع حول البرامج والأفكار إلى صراع حول الأشخاص؟ وهل أصبح الدفاع عن الزعيم أو الحزب أهم من نقده ومراجعة أخطائه؟

فحين تتحول الأحزاب إلى «معابد»، وفق توصيف قيسومة، يصبح النقد الداخلي أكثر صعوبة، ويصبح الاعتراف بالخطأ أشبه بالتراجع أمام الخصم.

وهنا تكمن إحدى مفارقات المشهد السياسي: كل طرف يتحدث عن ضرورة الديمقراطية وحرية الاختلاف، لكنه يجد صعوبة في تقبل اختلاف الآخر عندما يكون هذا الآخر قريباً منه سياسياً أو فكرياً.

«التشخيص معروف… أين الحل؟»

وسط عشرات التعليقات، برز سؤال يبدو أكثر أهمية من كل النقاشات الجانبية: «أستاذنا العزيز، هل بإمكانك اقتراح حلول من فضلك، لأن التشخيص أصبح معروفاً ومعلوماً لدى العموم؟»

السؤال في محله.

فتشخيص أمراض السياسة التونسية لم يعد جديداً. التشتت الحزبي، الصراعات الأيديولوجية، الشخصنة، التخوين، ضعف الحوار، الاستقطاب، وانعدام الثقة بين مختلف الأطراف… كلها ظواهر جرى الحديث عنها طويلاً.

لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول التشخيص إلى غاية في حد ذاته.

فما تحتاجه تونس، وفق منطق النقاش الذي فتحته التدوينة، ليس بالضرورة أن يتفق الجميع على الأفكار نفسها، بل أن يتعلم المختلفون كيف يختلفون من دون أن يحولوا خصمهم إلى عدو.

قد يكون من حق اليساري أن يختلف مع الإسلامي، ومن حق الليبرالي أن يرفض المحافظ، ومن حق المعارض أن يصطدم مع السلطة، ومن حق الموالي أن يدافع عن خياراته. لكن كل ذلك يفقد معناه عندما يصبح الاختلاف مبرراً للإهانة والتخوين والإقصاء.

هل فقدنا القدرة على الاختلاف؟

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر إلحاحاً التي تطرحها تدوينة المولدي قيسومة والتعليقات التي رافقتها.

هل فقد التونسيون القدرة على الاختلاف دون عداوة؟

السؤال لا يتعلق بالسياسيين وحدهم، ولا بالأحزاب وحدها. إنه يتعلق أيضاً بالمجتمع، وبالإعلام، وبالخطاب المتداول على شبكات التواصل الاجتماعي، وبقدرة الفرد نفسه على قبول فكرة بسيطة لكنها تبدو شديدة الصعوبة في زمن الاستقطاب: قد أختلف معك بشدة، وقد أعتقد أنك مخطئ تماماً، ومع ذلك لا أراك عدواً.

فالاختلاف ليس مرضاً يحتاج إلى علاج، بل هو جزء طبيعي من أي مجتمع حي. المرض يبدأ عندما يصبح كل اختلاف تهديداً، وكل نقد خيانة، وكل خصم شيطاناً، وكل زعيم فوق النقد.

وربما لهذا السبب تحديداً بدت عبارة قيسومة عن «المعابد» و«الطوائف» أكثر من مجرد استعارة بلاغية؛ فهي تضع إصبعاً على سؤال سياسي واجتماعي أعمق: هل ما ينقص تونس اليوم هو الاتفاق على الأفكار، أم القدرة على العيش مع اختلاف الأفكار؟