لم تكن تدوينة النائبة بالبرلمان سنياء بن المبروك حول انطلاقها رفقة عدد من زملائها على متن السفينة « تانيت » في اتجاه مرسيليا، في إطار مهمة برلمانية لمتابعة ظروف تنقل أبناء الجالية التونسية بالخارج، مجرد إعلان عن نشاط ميداني عادي.
فبعد نشر صور الرحلة والتأكيد على أن الهدف هو « الاستماع المباشر لمشاغل التونسيين بالخارج والوقوف على جودة الخدمات المقدمة لهم »، اندلع نقاش واسع بين من اعتبر المهمة خطوة ضرورية للتواصل مع الجالية، ومن رأى فيها صورة بعيدة عن أولويات المواطن اليومية.
« مهمة برلمانية » أم رحلة أثارت الاستفزاز؟
أنصار المهمة اعتبروا أن متابعة أوضاع الجالية التونسية بالخارج تستوجب النزول إلى الميدان، والاطلاع عن قرب على ظروف السفر والإجراءات والخدمات، خاصة خلال الرحلات البحرية التي تشهد ضغطاً كبيراً بين تونس ومرسيليا.
لكن منتقدي الرحلة ركزوا على المفارقة بين اختيار وسيلة نقل بحرية حديثة نسبياً لمتابعة أوضاع المسافرين، وبين واقع النقل العمومي داخل تونس الذي يعيش أزمات متواصلة.
وفي هذا السياق، انتشر تعليق الصحفي سرحان الشيخاوي الذي اختار السخرية من زاوية أخرى، حيث كتب:
« بُعد النظر عند السادة النواب… نشكر النواب على تعبهم بعد ما عملوا رحلة بحرية على متن السفينة تانيت بين تونس ومرسيليا لمتابعة ظروف تنقل أبناء الجالية التونسية. أما ما نعرفش علاش السادة النواب شافوا السفينة البحرية وما شافوش الوضعية المزرية متاع السفينة البرية المترو عدد 4، بالرغم أن المحطة متاعو بعيدة أقل من 10 أمتار من البرلمان. »
تعليق الشيخاوي لخص جانباً من الانتقادات التي رافقت الرحلة، إذ اعتبر أن الأولوية كان يمكن أن تكون لمعاينة مشاكل النقل التي يعيشها المواطنون يومياً، وخاصة وسائل النقل القريبة من مقرات القرار.
« لماذا لا تركبون قطار تونس ـ جندوبة؟ »
عدد من المعلقين ذهبوا في الاتجاه نفسه، متسائلين عن سبب عدم قيام النواب بزيارات ميدانية داخل وسائل النقل التي يستعملها المواطنون يومياً، مثل القطارات والحافلات، باعتبارها الأقرب إلى معاناة التونسيين.
واعتبر بعضهم أن تجربة رحلة على خطوط النقل الداخلي قد تكون كفيلة بكشف مشاكل التأخير والاكتظاظ وتقادم التجهيزات، قبل الحديث عن تحسين خدمات النقل لفائدة الجالية.
كما أثار آخرون مسألة عدد المشاركين في المهمة، متسائلين عن جدوى تنقل عدد كبير من النواب، وما إذا كان بالإمكان تحقيق الهدف نفسه بعدد أقل من المشاركين وتكاليف أقل.
الجالية أيضاً تنتظر حلولاً
في المقابل، يرى المدافعون عن المبادرة أن مشاكل التونسيين بالخارج لا تقل أهمية عن مشاكل الداخل، وأن الجالية تمثل رصيداً اقتصادياً واجتماعياً مهماً لتونس.
ويؤكد هؤلاء أن الاستماع المباشر إلى المسافرين والاطلاع على ظروف التنقل بين تونس ومرسيليا يمكن أن يساعد في صياغة مقترحات لتحسين الخدمات، خاصة في مواسم العودة والإجازات.
الجدل الحقيقي: أزمة ثقة أم اختلاف في الأولويات؟
بعيداً عن تفاصيل رحلة « تانيت »، يكشف الجدل الذي رافقها عن أزمة أعمق تتعلق بطريقة تعامل المواطنين مع تحركات المسؤولين.
ففي ظل تراجع الثقة وارتفاع الانتظارات الاجتماعية، أصبحت كل مبادرة لمسؤول عمومي قابلة للقراءة من زوايا مختلفة: بين من يراها عملاً ميدانياً ضرورياً، ومن يراها ابتعاداً عن مشاكل المواطن اليومية.
وهكذا تحولت رحلة هدفها المعلن متابعة أوضاع الجالية إلى نقاش واسع حول سؤال أكبر: هل تبدأ الأولويات من موانئ السفر أم من محطات النقل التي يمر منها المواطن كل يوم؟



