خطوة جديدة تفتح الباب أمام مشروع قد يعيد رسم خريطة النقل واللوجستيك في تونس من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. فقد بدأت الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية إجراءات انتقاء مكاتب الدراسات التي ستتولى إنجاز دراسات الجدوى والدراسات الهندسية الأولية لمشروع الممر الحديدي الذي سيربط، وفق التصور المعلن، بين بنزرت وبنقردان.
وكشفت وكالة «نوفا» الإيطالية في تقرير لها اليوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 أن هذا المشروع، الذي يُشار إليه أحياناً باعتباره نواة لما يسمى مستقبلاً «القطار فائق السرعة التونسي»، يمثل أحد المشاريع الكبرى التي تراهن عليها الدولة لتعزيز شبكة السكك الحديدية وربط مناطق البلاد وموانئها ومراكزها الصناعية واللوجستية.
ووفق الوكالة، فإن الإجراء الحالي لا يتعلق بإنجاز الخط أو انطلاق الأشغال، وإنما بمرحلة الدراسات، حيث دعت الشركة الوطنية للسكك الحديدية شركات ومجاميع تونسية ودولية متخصصة إلى تقديم ترشحاتها لإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية وتحديد العناصر الأولية للمشروع، بما في ذلك المسار المحتمل للخط.
وقد حُدد آخر أجل لتقديم الترشحات في 24 سبتمبر 2026 على الساعة الحادية عشرة صباحاً، على أن يتم فتح العروض بعد ذلك بربع ساعة.
خط حديدي يتجاوز نقل المسافرين
الأهمية الحقيقية للمشروع، بحسب قراءة وكالة «نوفا»، لا تكمن فقط في إنشاء خط لنقل المسافرين بين شمال تونس وجنوبها، وإنما في إمكانية تحويله إلى ممر اقتصادي ولوجستي يربط المدن والمناطق الصناعية والموانئ والمنصات اللوجستية ومراكز نقل البضائع.
وفي حال تنفيذ المشروع في صيغته الطموحة، يمكن لممر بنزرت–بنقردان أن يتحول إلى أحد أهم المحاور الحديدية في البلاد، وأن يشكل حلقة وصل محتملة بين الجزائر وتونس وليبيا.
وهنا تبرز أهمية نقل البضائع، إذ يمكن لمثل هذا الخط أن يقلص الاعتماد على النقل بالشاحنات، ويربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، ويمنح المناطق الداخلية موقعاً أكبر في الدورة الاقتصادية الوطنية.
لماذا عاد ميناء النفيضة إلى الواجهة؟
وتربط «نوفا» بين المشروع الحديدي ومشروع آخر طال انتظاره، هو ميناء المياه العميقة بالنفيضة.
فكرة إنشاء هذا الميناء تعود إلى أكثر من عقدين، وكان الهدف منها إنشاء منشأة قادرة على استقبال السفن الكبرى وتحويل تونس إلى مركز متوسطي لحركة الحاويات والخدمات اللوجستية.
غير أن المشروع ظل لسنوات طويلة بين التأجيل وإعادة الطرح، في وقت واصل فيه ميناء رادس لعب الدور الأكبر في حركة الحاويات في تونس.
وتشير الوكالة الإيطالية إلى أن أكثر من 80 في المائة من حركة الحاويات التونسية تتركز في رادس، وهو ما يجعل أي مشروع جديد للسكك الحديدية والموانئ مرتبطاً مباشرة بسؤال أكبر: هل تستطيع تونس بناء منظومة لوجستية متكاملة بدلاً من معالجة كل مشروع على حدة؟
رادس.. العقدة التي تكشف حجم التحدي
وتستند «نوفا» في عرضها لوضع ميناء رادس إلى معطيات سبق أن نشرتها مؤسسات دولية، خصوصاً البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.
وبحسب البنك الدولي، يمكن أن تصل المدة التي تبقى فيها الحاويات في رادس إلى نحو 18 يوماً في المتوسط، مقابل نحو 6 إلى 7 أيام في عدد من البلدان المقارنة، فيما سجلت المنظمة الدولية للتعاون والتنمية الاقتصادية مستويات إنتاجية في مناولة الحاويات أقل بكثير من الموانئ الأوروبية الكبرى.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق بالميناء وحده، بل بمنظومة كاملة تضم الديوانة والمشغلين والموانئ والشركات العمومية والبنوك والمتدخلين في المناولة والتخزين.
ولهذا فإن إنشاء خط حديدي جديد، حتى لو كان ضخماً، لن يكون كافياً بمفرده لتغيير موقع تونس في التجارة المتوسطية، ما لم يترافق مع تحديث الموانئ وتبسيط الإجراءات وتحسين الربط بين السكك الحديدية والمناطق الصناعية والمنصات اللوجستية.
مشروع يختبر الرؤية الجديدة للبنية التحتية
ويأتي مشروع بنزرت–بنقردان ضمن رؤية أوسع للبنية التحتية في تونس، وقد أدرج ضمن المشاريع الاستراتيجية التي يتضمنها مخطط التنمية 2026–2030.
وبالنسبة إلى تونس، فإن نجاح المشروع لن يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي ستُنجز من السكك الحديدية، وإنما بقدرته على خلق شبكة متكاملة تربط الشمال بالوسط والجنوب، والمصانع بالموانئ، والمناطق الداخلية بالأسواق، وتونس بالجزائر وليبيا.
لكن الطريق لا يزال طويلاً. فالمشروع يوجد حالياً في مرحلة الدراسات الأولية، قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بالمسار النهائي والكلفة ومصادر التمويل والجدول الزمني للإنجاز.
ومع ذلك، فإن بدء إجراءات اختيار مكاتب الدراسات يمثل أول انتقال فعلي للمشروع من مستوى التصور السياسي إلى مرحلة العمل الفني.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل هذا المشروع هو: هل تنجح تونس هذه المرة في ربط السكة الحديدية بالميناء واللوجستيك والصناعة في منظومة واحدة، أم يبقى كل مشروع منفصلاً عن الآخر كما حدث طوال سنوات مع ميناء المياه العميقة بالنفيضة؟
