الرئيسيةآخر الأخبار2000 دينار بسبب الكلام البذيء في الشارع: ماذا يحدث في الدول الأخرى

2000 دينار بسبب الكلام البذيء في الشارع: ماذا يحدث في الدول الأخرى

قد تصبح كلمة نابية قيلت في الشارع أو أمام مقهى أو بالقرب من مدرسة، في حال تحوّلت المبادرة التشريعية المقترحة إلى قانون، سبباً في غرامة مالية تصل إلى ألفي دينار. لكن المسألة لا تتعلق فقط بحجم العقوبة، بل بسؤال أكثر تعقيداً: أين تنتهي حرية التعبير ويبدأ حق الآخرين، وخاصة الأطفال، في عدم التعرض للكلام البذيء والعنف اللفظي في الفضاء العام؟

هذا النقاش عاد إلى الواجهة في تونس بعد إعلان النائب المحلي فتحي منصف الجبالي، الجمعة 11 سبتمبر 2026، عن مبادرة تشريعية تستهدف ما يعتبره انتشاراً متزايداً للشتائم والألفاظ النابية والكلام الفاحش في الشوارع والأحياء السكنية وأمام المنازل وبالقرب من المقاهي.

وبحسب ما أورده النائب، فإن المبادرة تنطلق أساساً من حماية الأطفال، الذين قد يتعرضون بشكل يومي إلى عبارات بذيئة في محيطهم ثم يعيدون استخدامها في المدارس وفي تعاملاتهم مع أقرانهم.

عندما تصبح الشوارع جزءاً من تربية الأطفال

يرى الجبالي أن التربية لا تتوقف عند المنزل والمدرسة، وإنما تتشكل أيضاً في الشارع والحي والفضاء العام.

ومن هذا المنطلق، تدفع المبادرة نحو وضع إطار قانوني أكثر تحديداً للتعامل مع الكلام الفاحش والعنف اللفظي، مع تشديد العقوبات في بعض الحالات، خصوصاً عندما يقع الأمر أمام الأطفال أو بالقرب من المؤسسات التربوية.

وتطرح الفكرة سؤالاً مجتمعياً أوسع: هل يمكن حماية الأطفال من العنف اللفظي في الفضاء العام من دون تحويل القانون إلى أداة لمراقبة طريقة حديث الناس؟

ألفا دينار… ولكن في أي حالة؟

المقترح، وفق ما أعلنه صاحبه، لا يقتصر على مجرد توجيه تنبيه لمن يستخدم عبارات نابية، بل يتضمن عقوبات مالية أشد في حالات معينة، مع إمكانية أن تصل الغرامة إلى ألفي دينار عندما تكون الأفعال في حضور الأطفال أو بالقرب من المؤسسات التعليمية، إلى جانب تشديد العقوبة في حال التكرار.

لكن من المهم التأكيد أن هذه الأرقام تتعلق بالمبادرة التشريعية المقترحة وليست عقوبة دخلت حيز التنفيذ.

كما تتضمن المبادرة، بحسب ما أعلن النائب، إجراءات ذات طابع تربوي وإصلاحي بالنسبة إلى الأطفال، فيما لا تتحمل الأسرة المسؤولية إلا إذا ثبت قانوناً وجود تقصير أو إهمال.

تونس ليست وحدها… لكن المقارنة تكشف اختلافاً مهماً

فكرة معاقبة الكلام المسيء أو البذيء في الأماكن العامة ليست جديدة عالمياً.

ففي أستراليا، توجد في مختلف الولايات والأقاليم نصوص تجرّم استخدام اللغة المسيئة أو البذيئة أو المهينة في الأماكن العامة أو بالقرب منها، مع اختلاف العقوبات وشروط تطبيقها من منطقة إلى أخرى.

وفي كندا، يتعامل القانون الجنائي مع استخدام الشتائم أو اللغة المهينة أو الفاحشة عندما تكون جزءاً من سلوك يتسبب في اضطراب داخل مكان عام أو بالقرب منه، وقد تصل العقوبة في بعض الحالات إلى غرامة أو السجن.

وفي الولايات المتحدة، توجد أيضاً قوانين محلية أو قوانين في بعض الولايات تتناول استخدام الألفاظ البذيئة في الأماكن العامة، لكن تطبيقها يواجه قيوداً دستورية قوية مرتبطة بحرية التعبير، وقد أبطلت المحاكم بالفعل بعض القوانين التي اعتبرت فضفاضة أو متعارضة مع الدستور.

كما توجد في دول أخرى تشريعات تتعامل مع الفحش أو الإخلال بالآداب العامة، وإن لم يكن الأمر دائماً متعلقاً بمجرد لفظ نابي في حد ذاته.

وفي تونس نفسها، توجد منذ سنوات نصوص قانونية تتعلق بالإخلال العلني بالآداب العامة، بما في ذلك أفعال أو أقوال ذات طابع فاحش؛ وقد أشار تقرير قانوني صادر عن مكتبة الكونغرس إلى الفصل 226 مكرر من المجلة الجزائية الذي يعاقب بعض أشكال الإخلال العلني بالحياء أو الآداب العامة بالسجن والخطية.

وبالتالي، فإن الجديد في المبادرة المقترحة ليس بالضرورة مبدأ معاقبة السلوك الفاحش في الفضاء العام، وإنما محاولة وضع إطار أكثر تحديداً للتعامل مع الشتائم والكلام البذيء، مع التركيز على وجود الأطفال والقرب من المؤسسات التعليمية.

المشكلة الأصعب: من يقرر ما هي « الكلمة النابية »؟

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في المقترح.

فالقانون يستطيع تحديد السلوكيات التي تشكل تهديداً أو تحرشاً أو إهانة أو إخلالاً واضحاً بالنظام العام، لكن تحديد الفرق بين شتيمة، وكلام بذيء، وانفعال عابر، ومشادة كلامية، وإهانة مقصودة ليس أمراً بسيطاً.

وهذه الإشكالية ليست تونسية فقط. فدراسات قانونية حول قوانين « اللغة المسيئة » في أستراليا وكندا والمملكة المتحدة تشير إلى أن عبارات مثل « مسيء » و »مهين » و »فاحش » يمكن أن تترك مساحة واسعة للتقدير من جانب الشرطة والقضاء، وهو ما يثير دائماً أسئلة حول وضوح النص القانوني وحدود تطبيقه.

وماذا عن الشتيمة السياسية؟

المبادرة تؤكد، وفق صاحبها، أنها لا تستهدف حرية التعبير ولا حق المواطنين في النقد أو الاحتجاج السلمي.

لكن هذا التعهد سيجعل صياغة النص القانوني أكثر أهمية.

فالتونسي الذي ينتقد مسؤولاً أو حزباً أو قراراً حكومياً، حتى بعبارات قاسية، يجب أن يعرف بدقة أين ينتهي النقد المسموح به وأين تبدأ المخالفة التي تستوجب العقوبة.

وهنا سيكون النقاش الحقيقي حول المشروع: هل الهدف هو حماية الأطفال والفضاء العام من العنف اللفظي، أم يمكن أن يؤدي نص واسع الصياغة إلى معاقبة عبارات تدخل أصلاً في نطاق التعبير والانفعال؟

النائب دعا المواطنين والأولياء والمربين ورجال القانون وعلماء الاجتماع إلى المشاركة في النقاش حول المبادرة والعقوبات المقترحة.

وفي انتظار معرفة ما إذا كانت المبادرة ستتحول فعلاً إلى مقترح قانوني يحال إلى البرلمان ثم إلى نص نافذ، يبقى عنوانها الأكثر إثارة واضحاً:

هل ستصبح الشتيمة في الشارع التونسي مكلفة فعلاً… وقد تصل فاتورتها إلى ألفي دينار؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى