الرئيسية آخر الأخبار 28 ألف سائح صيني فقط… هل تحتاج تونس إلى معهد كونفوشيوس أم...

28 ألف سائح صيني فقط… هل تحتاج تونس إلى معهد كونفوشيوس أم أن وراء المشروع رهانات أكبر؟

0
2
blank

أثار إعلان جامعة سوسة عن افتتاح ثاني معهد كونفوشيوس في تونس، بعد معهد جامعة قرطاج، نقاشاً حول جدوى هذا المشروع في ظل محدودية حجم السياح الصينيين الذين يقصدون تونس حالياً.

فحسب المعطيات المتداولة، استقبلت تونس حوالي 28 ألف سائح صيني سنة 2025، مع تسجيل زيادة بنسبة 19.3 بالمائة مقارنة بسنة 2024. ورغم أن الرقم يمثل تطوراً إيجابياً، فإنه يبقى محدوداً جداً مقارنة بالحجم الإجمالي للسياحة التونسية التي تتجاوز عشرة ملايين زائر سنوياً، كما يبقى بعيداً عن الإمكانات الهائلة للسوق الصينية التي تعد من أكبر أسواق السياحة في العالم.

من هنا يطرح السؤال: هل يحتاج قطاع السياحة التونسي، في هذه المرحلة، إلى مؤسسة متخصصة في تعليم اللغة الصينية وتكوين المرشدين السياحيين لخدمة بضعة آلاف من الزوار فقط؟

من الناحية الاقتصادية البحتة، يبدو الرقم الحالي غير كافٍ لتبرير استثمار كبير إذا كان الهدف الوحيد هو تلبية حاجيات 28 ألف سائح. فالسائح الصيني لا يحتاج فقط إلى مرشد يتحدث الماندرين، بل يحتاج إلى منظومة كاملة تشمل رحلات جوية مباشرة أو سهلة، حملات ترويجية داخل الصين، تسهيلات إدارية، خدمات دفع ملائمة، ومؤسسات سياحية تفهم خصوصيات هذا السوق.

لكن من زاوية أخرى، قد ترى السلطات التونسية أن الخطوة استباقية، لأن الأسواق السياحية الكبرى لا تُبنى بعد وصول الملايين، بل عبر إعداد الأرضية قبل توسع الطلب. فوجود كفاءات تتحدث الصينية وتفهم الثقافة الصينية يمكن أن يكون عاملاً مساعداً إذا نجحت تونس في استقطاب حصة أكبر من هذا السوق مستقبلاً.

غير أن المشروع لا يخلو من أبعاد أخرى تتجاوز السياحة والجامعة. فمعاهد كونفوشيوس المنتشرة في العالم تمثل جزءاً من أدوات القوة الناعمة الصينية، حيث تستخدم بكين تعليم اللغة والثقافة كوسيلة لتعزيز حضورها وبناء جسور النفوذ والعلاقات طويلة المدى.

وتتميز السياسة الصينية عادة بمرونة كبيرة في توسيع نفوذها؛ فهي لا تعتمد فقط على الاستثمارات الكبرى أو الاتفاقيات الاقتصادية، بل ترافقها بأدوات ثقافية وتعليمية تسمح لها ببناء علاقات مع المجتمعات والمؤسسات بعيداً عن الأطر السياسية المباشرة. ويُنظر إلى هذه المقاربة أحياناً باعتبارها وسيلة ناعمة للتمدد والالتفاف على المنافسة الدولية حول النفوذ، خاصة في مناطق استراتيجية مثل شمال إفريقيا.

وبالنسبة لتونس، التي تبحث عن تنويع شركائها الاقتصاديين وعدم الاعتماد الكامل على الأسواق الأوروبية التقليدية، فإن الانفتاح على الصين يمكن أن يحمل فرصاً مهمة، سواء في السياحة أو الاستثمار أو التكنولوجيا. لكن التحدي يبقى في تحقيق توازن بين الاستفادة الاقتصادية والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وعدم تحويل التعاون الثقافي إلى مجرد بوابة لنفوذ سياسي أو اقتصادي أحادي الجانب.

في النهاية، فإن معهد كونفوشيوس بسوسة ليس مجرد مدرسة لتعليم اللغة الصينية. فهو مشروع يحمل في طياته رهانات سياحية وثقافية وجيوسياسية. ويبقى السؤال الحقيقي: هل سيكون هذا المعهد أداة لجذب آلاف أو مئات الآلاف من السياح الصينيين إلى تونس، أم أنه سيكون قبل كل شيء جزءاً من استراتيجية صينية أوسع لتعزيز حضورها في المنطقة؟