الرئيسية اقتصاد « بعد الضرائب والضمان الاجتماعي.. فاتورة جديدة ترهق أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة »

« بعد الضرائب والضمان الاجتماعي.. فاتورة جديدة ترهق أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة »

0
114
المؤسسات الصغرى
المؤسسات الصغرى

لم تعد المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس تواجه فقط صعوبات السوق وارتفاع كلفة الإنتاج والتمويل والضرائب، بل أصبحت تواجه أيضاً ما يعتبره عدد من أصحاب المؤسسات والمحاسبين تراكماً في التكاليف الإدارية المرتبطة بالرقمنة، وهي تكاليف يرون أنها تحولت من أداة لتسهيل الإجراءات إلى عبء مالي سنوي ثابت.

فبعد أن كان التصريح بالنشاط ودفع الأداءات والقيام بالإجراءات الإدارية مرتبطاً أساساً بالإدارة العمومية، أصبحت المؤسسة مطالبة اليوم بالتعامل مع عدد من المنصات والخدمات الرقمية التي تفرض مقابلاً مالياً دورياً مقابل خدمات مرتبطة بالتصريح الإلكتروني والإمضاء الرقمي وتبادل الوثائق.

ويعتبر منتقدو هذا المسار أن الإشكال لا يكمن في الرقمنة في حد ذاتها، بل في طريقة تمويلها، إذ يرون أن الخدمات التي كان يفترض أن تكون جزءاً من تحديث الإدارة أصبحت تمثل كلفة إضافية على المؤسسات، خصوصاً الصغيرة منها التي تعمل بهوامش ربح محدودة.

المؤسسة الصغيرة أمام فاتورة تتوسع

فالمؤسسة الصغرى التي تواجه أصلاً:

  • ارتفاع أسعار المواد الأولية،
  • صعوبة النفاذ إلى التمويل،
  • ارتفاع كلفة الطاقة والنقل،
  • ضغط الأداءات الاجتماعية والجبائية،

تجد نفسها أمام مصاريف جديدة مرتبطة بالامتثال الإداري الرقمي.

هذه المصاريف قد تبدو محدودة عند النظر إلى كل خدمة على حدة، لكنها تصبح ثقلاً حقيقياً عندما تتراكم سنوياً، خاصة بالنسبة إلى آلاف المؤسسات الصغيرة التي لا تتوفر على موارد بشرية متخصصة في الإدارة والتقنيات الرقمية.

ويرى عدد من المهنيين أن المشكلة الأكبر ليست فقط في قيمة الاشتراكات أو الخدمات، وإنما في تحولها إلى تكلفة ثابتة إجبارية لا ترتبط بحجم نشاط المؤسسة ولا بقدرتها المالية.

من أداة لتبسيط الإجراءات إلى مصدر قلق؟

كان الهدف الأساسي من رقمنة الإدارة هو تقليص الوقت، الحد من التنقل بين الإدارات، تحسين الشفافية، وتسريع الخدمات.

لكن بعض أصحاب المؤسسات يقولون إن الواقع اليوم مختلف، إذ أصبحت الرقمنة تتطلب:

  • اقتناء خدمات إلكترونية،
  • تجديد شهادات رقمية،
  • متابعة منصات متعددة،
  • دفع مقابل خدمات تقنية،

وهو ما يضيف طبقة جديدة من المصاريف الإدارية.

ويحذر هؤلاء من أن المؤسسة الصغيرة لا تستطيع تحمل أعباء متزايدة في وقت تعاني فيه من تراجع الطلب وصعوبة المنافسة.

مؤسسات تغلق أبوابها.. والبطالة ترتفع

وتأتي هذه الانتقادات في ظرف اقتصادي صعب بالنسبة للمؤسسات التونسية. فقد شهدت السنوات الأخيرة إغلاق عدد كبير من المؤسسات وتعثر أخرى، خاصة في قطاعات التجارة والخدمات والصناعات الصغيرة.

وحسب معطيات السجل الوطني للمؤسسات، بلغ عدد المؤسسات التي تم شطبها أو توقفت عن النشاط خلال السنوات الأخيرة آلاف المؤسسات سنوياً، فيما تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة تمثل النسبة الأكبر من النسيج الاقتصادي التونسي، وبالتالي فإن أي صعوبات تواجهها تنعكس مباشرة على التشغيل.

كما تؤكد تقارير اقتصادية أن القطاع الخاص، وخاصة المؤسسات الصغيرة، كان من أكثر القطاعات تأثراً بتباطؤ النمو وارتفاع الكلفة، ما أدى إلى فقدان مواطن شغل أو تجميد الانتدابات.

ولا يتعلق الأمر فقط بالمؤسسة التي تغلق أبوابها، بل أيضاً بالمؤسسات التي تواصل نشاطها في ظروف صعبة وتضطر إلى تقليص عدد العمال أو تأجيل الاستثمار.

هل نحن أمام « جباية غير مباشرة »؟

يطلق بعض المهنيين على هذه التكاليف الجديدة وصف « جباية موازية »، باعتبار أنها أموال تدفعها المؤسسة بشكل إجباري للحفاظ على قدرتها على القيام بالإجراءات القانونية.

لكن المدافعين عن هذا المسار يرون أن الخدمات الرقمية لها كلفة فعلية، وأن تطوير منظومة الإدارة الإلكترونية يحتاج إلى تمويل وصيانة وتأمين تقني، معتبرين أن المقابل المالي لا يمكن اعتباره ضريبة بالمعنى القانوني.

ويبقى الخلاف الحقيقي حول سؤال أساسي:
هل يجب أن تتحمل المؤسسة كلفة التحول الرقمي وحدها، أم أن تحديث الإدارة هو مسؤولية الدولة باعتباره خدمة عمومية لتحسين مناخ الأعمال؟

إنقاذ المؤسسات قبل فقدانها

في ظل ارتفاع عدد المؤسسات التي تغلق أو تتوقف عن الاستثمار، يدعو أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى مراجعة الأعباء الإدارية، وتوحيد المنصات، وتخفيف كلفة الخدمات الرقمية على المؤسسات الناشئة والصغيرة.

فالهدف من الرقمنة، كما يقولون، يجب أن يكون جعل المؤسسة أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة، لا إضافة حواجز جديدة أمامها.

ويبقى التحدي أمام الدولة هو تحقيق المعادلة الصعبة: إدارة رقمية أكثر نجاعة، لكن دون أن تتحول الرقمنة نفسها إلى عبء يسرّع اختفاء المؤسسات التي يفترض أن تكون محرك الاقتصاد والتشغيل.