لم تعد التنمية في التجارب الدولية الحديثة تُقاس بحجم الأموال التي تضخها الدولة أو بعدد المشاريع المعلنة، بل بقدرة الحكومات على بناء رؤية طويلة المدى تربط بين التخطيط الوطني والطاقات المحلية.
هذه الفكرة شكلت محور مداخلة خبير التنمية ونائب رئيس مجموعة البنك الدولي السابق لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فريد بلحاج، الذي أكد أن التمويل يبقى مجرد أداة، بينما العنصر الحاسم هو وجود استراتيجية واضحة وآليات قادرة على تحويل الجهات إلى فضاءات إنتاج للثروة.
وخلال مشاركته في إطلاق مشروع « أكاديمية للإدماج »، قدم بلحاج ثلاث تجارب دولية اعتبرها نماذج يمكن الاستفادة منها، وهي كوريا الجنوبية وإندونيسيا والمغرب، باعتبارها أمثلة على كيفية الجمع بين دور الدولة المركزية وديناميكية المبادرات المحلية.
كوريا الجنوبية… عندما تحولت القرى إلى شركاء في التنمية
تُعد التجربة الكورية الجنوبية من أبرز النماذج التي تثبت أن الدولة لا تستطيع وحدها صناعة التنمية من دون إشراك المجتمعات المحلية.
ففي سبعينيات القرن الماضي أطلقت كوريا الجنوبية حركة « القرية الجديدة »، في مرحلة كانت فيها البلاد لا تزال تعاني من الفقر وضعف البنية التحتية الريفية. لم تعتمد الحكومة فقط على ضخ الأموال، بل وضعت إطاراً عاماً للتنمية وقدمت دعماً أولياً للمجتمعات المحلية، ثم تركت للسكان تحديد أولوياتهم وتنفيذ مشاريعهم وفق حاجاتهم.
هذا النموذج خلق نوعاً من المسؤولية الجماعية، حيث لم تعد القرى مجرد مستفيد من برامج الدولة، بل أصبحت شريكاً في تحديد المسار التنموي. ومع تحسن الظروف المحلية، توسعت فرص الاستثمار ووجد القطاع الخاص بيئة أكثر ملاءمة للنمو، وهو ما ساهم لاحقاً في تحول كوريا الجنوبية إلى قوة صناعية عالمية.
الدرس الأساسي من التجربة الكورية هو أن الدولة تضع الاتجاه، لكنها لا تلغي دور المجتمع المحلي، وأن التنمية المستدامة تحتاج إلى بناء القدرات وليس فقط توزيع الموارد.
إندونيسيا… التنمية تبدأ من إشراك المواطن
أما التجربة الإندونيسية فقد قدمت نموذجاً مختلفاً، خاصة بعد الأزمة المالية الآسيوية سنة 1997، عندما أدركت السلطات أن تحسين ظروف السكان في المناطق لا يمكن أن يتم فقط عبر البرامج المركزية.
اعتمدت إندونيسيا على برامج للتنمية المجتمعية تقوم على إشراك السكان في تحديد المشاريع وتنفيذها، خصوصاً في مجالات البنية التحتية المحلية والخدمات الأساسية.
وأظهرت هذه التجربة أن مشاركة المواطنين يمكن أن ترفع من جودة المشاريع وتقلل من كلفتها، لأن السكان المحليين يمتلكون معرفة دقيقة بحاجاتهم الحقيقية. لكن بلحاج شدد على نقطة أساسية، وهي أن المبادرات المحلية لا يمكن أن تعوض وجود استراتيجية وطنية كبرى، بل يجب أن تعمل داخل رؤية شاملة تحدد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
المغرب… الجمع بين المشاريع الكبرى والتنمية المحلية
التجربة المغربية، حسب بلحاج، تقدم نموذجاً قريباً من واقع المنطقة، خصوصاً عبر الجمع بين برامج التنمية الاجتماعية والمشاريع الاقتصادية الكبرى.
فمنذ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، تم دعم آلاف المشاريع المحلية التي شملت مجالات اجتماعية واقتصادية، من بينها مشاريع لفائدة النساء والشباب والفئات محدودة الدخل.
لكن في المقابل، لم تعتمد المملكة على التنمية المحلية فقط، بل ربطتها بمشاريع استراتيجية كبرى، من أبرزها ميناء طنجة المتوسط الذي لم يبق مجرد منشأة للنقل البحري، بل تحول إلى قطب اقتصادي متكامل جذب صناعات السيارات والطيران والخدمات اللوجستية.
فالميناء أصبح جزءاً من رؤية إقليمية أوسع تقوم على خلق مناطق صناعية مرتبطة بسلاسل الإنتاج العالمية، وهو ما ساهم في استقطاب استثمارات دولية وخلق فرص عمل.
ما الذي تعنيه هذه التجارب لتونس؟
تكمن أهمية الرسالة التي حملتها مداخلة فريد بلحاج في أنها تعيد طرح سؤال التنمية في تونس من زاوية مختلفة: هل المشكلة في نقص التمويل أم في غياب الربط بين الرؤية الوطنية والخصوصيات الجهوية؟
فالكثير من التجارب الدولية لم تبدأ بموارد ضخمة، بل بدأت بتحديد الأولويات، وبناء مؤسسات قادرة على التنسيق بين الدولة والجهات والقطاع الخاص.
وتشير هذه النماذج إلى أن التنمية الجهوية لا تعني فقط إنشاء مشاريع في المناطق الداخلية، وإنما بناء منظومات اقتصادية محلية قادرة على الإنتاج وخلق القيمة، عبر معرفة إمكانيات كل منطقة وربطها بالاستراتيجية الوطنية.
فالمطلوب ليس فقط أن تصل الدولة إلى الجهات، بل أن تتحول الجهات نفسها إلى شركاء في صياغة مستقبلها الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تختصر تجربة الدول الثلاث رسالة أساسية: الدولة الناجحة ليست التي تنفذ كل شيء مركزياً، بل التي تخلق الظروف التي تسمح للمجتمعات المحلية والقطاع الخاص بتحويل الرؤية الوطنية إلى واقع اقتصادي.



