الرئيسيةاقتصادمن البطالة إلى نقص اليد العاملة.. دول كبرى تستعد لمعركة العمال الأجانب...

من البطالة إلى نقص اليد العاملة.. دول كبرى تستعد لمعركة العمال الأجانب بحلول 2040

لم تعد بعض الاقتصادات الكبرى تواجه في المستقبل مشكلة غياب الوظائف بقدر ما قد تواجه مشكلة أكثر تعقيداً: غياب من يشغلها.

فانخفاض معدلات الولادات، وارتفاع متوسط الأعمار، وتزايد أعداد المتقاعدين، كلها عوامل تدفع عدداً من الدول الصناعية إلى الاقتراب من مرحلة يتراجع فيها عدد السكان في سن العمل، بما يهدد قطاعات حيوية ويزيد الحاجة إلى العمالة الأجنبية.

وتُظهر المعطيات الواردة في الرسم البياني المستند إلى بيانات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن كوريا الجنوبية و اليابان وإيطاليا و إسبانيا و ألمانيا وبولندا ستكون من أكثر الاقتصادات حاجة إلى العمال الأجانب بحلول سنة 2040، بدرجات متفاوتة.

وتأتي كوريا الجنوبية في صدارة الدول التي تواجه هذا التحدي، إذ يُتوقع أن يتراجع عدد السكان في سن العمل بنحو 14 بالمائة بين 2024 و2040، فيما يبلغ معدل الخصوبة 0.80 طفل لكل امرأة، وهو من أدنى المعدلات في العالم. كما يرتفع عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة مقارنة بكل 100 شخص في سن العمل إلى نحو 84.5 شخصاً.

أما اليابان، فتسير في الاتجاه نفسه، مع توقع انخفاض السكان في سن العمل بنسبة 12 بالمائة خلال الفترة نفسها، مقابل ارتفاع نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فأكثر مقارنة بالسكان في سن العمل إلى نحو 80 شخصاً لكل 100.

وتواجه إيطاليا وضعاً ديموغرافياً بالغ الصعوبة أيضاً، إذ يُتوقع أن ينخفض عدد سكانها في سن العمل بنحو 13 بالمائة بحلول 2040، في حين تصل نسبة كبار السن مقارنة بالسكان في سن العمل إلى 76.6 شخصاً لكل 100.

وتأتي إسبانيا بدورها ضمن الدول الأكثر تعرضاً لضغط الشيخوخة، مع توقع تراجع السكان في سن العمل بنسبة 11 بالمائة، بينما تسجل ألمانيا انخفاضاً متوقعاً بنحو 7 بالمائة.

ولا تقتصر الظاهرة على هذه الاقتصادات. فبولندا مرشحة لتسجيل انخفاض بنحو 8 بالمائة في عدد السكان في سن العمل، في حين تبدو فرنسا في وضع أكثر استقراراً نسبياً، مع تغير متوقع يقارب 1 بالمائة فقط.

في المقابل، تسجل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وضعاً مختلفاً نسبياً، إذ تشير المعطيات إلى نمو متوقع في عدد السكان في سن العمل بنسبة 3 بالمائة في بريطانيا و10 بالمائة في الولايات المتحدة حتى سنة 2040.

الهجرة.. من قضية سياسية إلى حاجة اقتصادية؟

المفارقة أن هذه التحولات الديموغرافية تتزامن مع احتدام الجدل السياسي حول الهجرة في عدد من هذه الدول.

فالهجرة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر الملفات حساسية في أوروبا والولايات المتحدة، قد تتحول تدريجياً، بالنسبة إلى الاقتصادات التي تشهد شيخوخة سكانية حادة، من ملف سياسي وأمني إلى حاجة اقتصادية مرتبطة بالحفاظ على الإنتاج والخدمات الأساسية.

فالاقتصاد يحتاج إلى العمال في المصانع، وقطاع البناء، والنقل، والرعاية الصحية، والخدمات، والزراعة وغيرها. ومع خروج أعداد كبيرة من السكان إلى التقاعد وعدم تعويضهم بأجيال جديدة بالعدد الكافي، يصبح استقدام العمال الأجانب أحد الحلول المتاحة لسد الفجوة.

وتكمن أهمية المسألة في أن نقص اليد العاملة لا يعني فقط صعوبة العثور على موظفين، بل يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كلفة الأجور، وتراجع الإنتاج، وتأخر المشاريع، والضغط على الخدمات العامة، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد على قطاعات تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال.

كوريا الجنوبية واليابان.. إنذار مبكر

وتبدو التجربة الآسيوية الأكثر وضوحاً في هذا المجال.

فكوريا الجنوبية تواجه واحدة من أسرع عمليات الشيخوخة السكانية في العالم، في وقت بقيت فيه معدلات الإنجاب عند مستويات شديدة الانخفاض. أما اليابان، فقد دخلت منذ سنوات في مواجهة مباشرة مع آثار الشيخوخة وتراجع عدد السكان، وأصبحت العمالة الأجنبية جزءاً متزايد الأهمية من سوق العمل.

وتكشف الأرقام أن المشكلة ليست مرتبطة فقط بعدد السكان، وإنما بالعلاقة بين عدد المسنين وعدد الأشخاص القادرين على العمل.

فكلما ارتفعت هذه النسبة، زاد العبء على الفئة العاملة لتمويل أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، في وقت يتراجع فيه عدد المساهمين في الاقتصاد.

أوروبا أمام معادلة صعبة

بالنسبة إلى أوروبا، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً.

ففي الوقت الذي تسعى فيه دول أوروبية عديدة إلى الحد من الهجرة غير النظامية وتشديد سياسات اللجوء والحدود، تحتاج اقتصاداتها في المقابل إلى عمال في قطاعات تعاني أصلاً من نقص الموارد البشرية.

وهذا التناقض قد يدفع مستقبلاً نحو إعادة تعريف سياسة الهجرة نفسها، من خلال الانتقال من استقبال المهاجرين بصورة عشوائية أو غير منظمة إلى اعتماد برامج أكثر انتقائية تستهدف أصحاب المهارات والمهن التي تعاني نقصاً في اليد العاملة.

وبذلك يمكن أن تصبح الهجرة الاقتصادية المنظمة جزءاً من أدوات مواجهة الشيخوخة، إلى جانب رفع سن التقاعد، وتشجيع الولادات، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، والاستثمار في الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

تونس.. أين موقعها من هذه المعادلة؟

المفارقة بالنسبة إلى تونس أن البلاد تواجه في الوقت نفسه تحديات ديموغرافية واقتصادية وسوق عمل مختلفة.

ففي الوقت الذي تتجه فيه دول مثل إيطاليا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية إلى البحث عن عمال أجانب لتعويض النقص المتوقع، تواجه تونس تحديات مرتبطة بخلق فرص العمل والحد من البطالة، خصوصاً بين الشباب وأصحاب الشهادات.

لكن هذا التباين يمكن أن يتحول إلى فرصة استراتيجية لتونس إذا نجحت في تحويل الهجرة من ظاهرة غير منظمة إلى سياسة تصدير منظمة للكفاءات والعمالة.

فالدول التي ستواجه نقصاً حاداً في اليد العاملة خلال العقدين المقبلين ستحتاج إلى ممرضين، وتقنيين، ومهندسين، وعمال في البناء والصناعة والخدمات والرعاية، وهي مجالات يمكن أن تمثل فيها تونس مورداً بشرياً مهماً إذا تم إعداد منظومة تكوين وتأهيل تتلاءم مع احتياجات الأسواق الخارجية.

وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد الهجرة.

الدول التي ستعاني من نقص العمال ستبحث عن اليد العاملة، والدول التي تمتلك فائضاً من الشباب والباحثين عن العمل ستبحث عن الأسواق. والسؤال الحقيقي هو: من سيستعد أولاً لهذه المعادلة؟

فبحلول سنة 2040، قد لا تكون الهجرة بالنسبة إلى عدد من الاقتصادات الكبرى خياراً سياسياً فقط، وإنما ضرورة اقتصادية للحفاظ على قوة العمل واستمرار النمو والخدمات الأساسية.

blank
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى