تشهد المنظومة الصحية في تونس نزيفا غير مسبوق للكفاءات الطبية، بعد أن كشفت دراسة أعدتها المنظمة التونسية للأطباء الشبان أن 1600 طبيب من أصل 1900 من خريجي دفعة سنة 2024 غادروا البلاد للعمل بالخارج، أي ما يعادل أكثر من 84 بالمائة من إجمالي الخريجين، في واحدة من أعلى نسب هجرة الأطباء المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
ولا تعزو الدراسة هذا النزيف فقط إلى تدني الأجور أو البحث عن فرص مهنية أفضل، بل تضع العنف داخل المستشفيات العمومية في صدارة الأسباب التي تدفع الأطباء الشبان إلى مغادرة تونس.
73% من الأطباء تعرضوا للعنف
وتكشف الدراسة أن 73 بالمائة من الأطباء الشبان تعرضوا إلى اعتداءات لفظية أو جسدية أثناء أداء مهامهم داخل المستشفيات العمومية، في مؤشر وصفته المنظمة بـ »المقلق »، باعتبار أن الاعتداءات أصبحت جزءا من الواقع اليومي داخل عدد من المؤسسات الصحية.
ولا تقتصر الاعتداءات، وفق المنظمة، على العنف اللفظي، بل تشمل أيضا الاعتداءات الجسدية والتهديدات، وسط غياب منظومة حماية فعالة للأطباء والعاملين في القطاع الصحي.
العنف يدفع الأطباء إلى الهجرة
وتؤكد الدراسة وجود علاقة مباشرة بين العنف والهجرة، إذ تبين أن 82 بالمائة من الأطباء الذين تعرضوا للاعتداءات اختاروا مغادرة تونس، وهو ما تعتبره المنظمة دليلا واضحا على أن تدهور ظروف العمل أصبح عاملا حاسما في اتخاذ قرار الهجرة.
وترى المنظمة أن الطبيب الشاب لم يعد يبحث فقط عن راتب أفضل، وإنما عن بيئة عمل توفر له الحد الأدنى من الأمن والاحترام والاستقرار المهني.
خسارة كبرى للاستثمار في تكوين الأطباء
وتطرح هذه الأرقام إشكالا اقتصاديا لا يقل خطورة عن الإشكال الصحي، إذ تستثمر الدولة مبالغ كبيرة في تكوين الطبيب منذ المرحلة الجامعية إلى غاية التخرج، قبل أن تستفيد بلدان أخرى من هذه الكفاءات دون أن تتحمل كلفة تكوينها.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا النسق سيؤدي إلى تفاقم النقص في الأطباء بالمستشفيات العمومية، خاصة في الجهات الداخلية التي تعاني أصلا من صعوبات في توفير الإطار الطبي.
المستشفيات العمومية أمام تحديات متزايدة
ويأتي هذا النزيف في وقت تواجه فيه المستشفيات العمومية تحديات متراكمة، من بينها:
- نقص الموارد البشرية.
- الضغط الكبير على أقسام الاستعجالي.
- تدهور البنية التحتية في عدد من المؤسسات الصحية.
- نقص التجهيزات والأدوية في بعض الجهات.
- تزايد الاعتداءات على الإطار الطبي وشبه الطبي.
ويرى مراقبون أن اجتماع هذه العوامل يهدد جودة الخدمات الصحية ويزيد من الضغط على الأطباء الذين يواصلون العمل داخل البلاد.
مطالب عاجلة لحماية الأطباء
ودعت المنظمة التونسية للأطباء الشبان إلى اعتماد خطة عاجلة للحد من ظاهرة العنف داخل المستشفيات، تشمل:
- تعزيز الحماية الأمنية داخل المؤسسات الصحية.
- سن تشريعات أكثر صرامة لتجريم الاعتداء على الإطار الطبي.
- توفير آليات للتبليغ والتدخل السريع عند وقوع الاعتداءات.
- تحسين ظروف العمل والتكوين والتأجير بما يحد من نزيف الهجرة.
هل تدخل المنظومة الصحية مرحلة الخطر؟
ويرى متابعون أن استمرار مغادرة هذا العدد الكبير من الأطباء سنويا قد يضع المنظومة الصحية التونسية أمام أزمة هيكلية، خاصة مع تزايد الطلب على الخدمات الصحية وارتفاع معدل تقاعد الأطباء خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد خبراء أن فقدان أكثر من أربعة أخماس خريجي كلية الطب في سنة واحدة لا يمثل مجرد ظاهرة هجرة مهنية، بل يشكل إنذارا حقيقيا بشأن مستقبل الرعاية الصحية في تونس، إذ قد تتحول معاناة المواطنين من طول مواعيد العلاج ونقص الأطباء إلى أزمة أكثر تعقيدا إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لمعالجة أسباب هذا النزيف، وفي مقدمتها توفير بيئة عمل آمنة تحفظ كرامة الطبيب وتضمن استمراره داخل القطاع الصحي العمومي.



