لم تكن المشاهد القادمة من مدينة الفنيدق خلال اليومين الماضيين مجرد محاولة جديدة للهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى لحظة صادمة أعادت إلى الواجهة أسئلة عميقة حول حصيلة السياسات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب، ومدى قدرة برامج التنمية المعلنة على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، خصوصا الشباب والنساء والأطفال.
فخلف الحشود التي حاولت عبور الحدود نحو سبتة، ظهرت صورة اجتماعية أكثر تعقيدا من مجرد ملف أمني. عائلات بأكملها، وقاصرون، وشباب في مقتبل العمر، ونساء، خاطروا بكل شيء بحثا عن أفق يرونه مسدودا داخل بلدهم، وهو ما دفع فعاليات حقوقية وسياسية إلى التحذير من أن الظاهرة تعكس أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة هجرة.
وقالت فيدرالية رابطة حقوق النساء إن ما حدث يكشف عن « اختلالات اجتماعية عميقة تتجاوز البعد الأمني »، معتبرة أن مشاركة النساء والفتيات والقاصرين تستدعي مقاربة تقوم على الاعتبارات الإنسانية والحقوقية، وليس فقط على منطق ضبط الحدود.
وترى الفيدرالية أن اتساع دائرة الراغبين في الهجرة غير النظامية يعكس حجم الهشاشة الاجتماعية، ويطرح أسئلة حول نتائج السياسات العمومية في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية، وهي القطاعات التي يفترض أن تشكل قاعدة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
منجزات اقتصادية مقابل شعور بالإقصاء؟
وتعيد أحداث الفنيدق النقاش حول مفارقة يعيشها المغرب منذ سنوات: من جهة، مشاريع كبرى واستثمارات وبنيات تحتية وتقدم اقتصادي في عدد من المجالات، ومن جهة أخرى، استمرار شعور قطاعات واسعة من الشباب بأن ثمار التنمية لا تصل إليهم بالسرعة المطلوبة.
فالرهان الحقيقي لأي نموذج تنموي لا يقاس فقط بحجم المشاريع أو المؤشرات الاقتصادية الكبرى، وإنما بقدرته على خلق فرص العمل، وتقليص الفوارق الاجتماعية، ومنح الشباب إحساسا بأن المستقبل ممكن داخل بلدهم.
وهنا تبرز الانتقادات التي وجهها عدد من الفاعلين السياسيين، معتبرين أن استمرار ظاهرة الهجرة الجماعية دليل على وجود فجوة بين الخطاب الرسمي حول التنمية وبين واقع فئات اجتماعية تشعر بانسداد الأفق.
دعوات إلى حوار وطني حول الشباب
من جهتها، اعتبرت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن ما حدث في سبتة لا يمكن اختزاله في تفسير واحد، داعية إلى نقاش وطني واسع حول أوضاع الشباب، وعلاقة ذلك بالتعليم والتكوين وفرص الإدماج الاقتصادي.
وأكدت أن الأحداث تعكس حاجة إلى « المصالحة مع الشباب » والاستماع إلى تطلعاتهم، مشددة على أن معالجة الأزمة تتطلب تسريع الإصلاحات وليس الاكتفاء بالحديث عن التقدم المحرز.
أما جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، فحمّل الحكومة مسؤولية سياسية، معتبرا أن ما حدث يعكس فشل السياسات الاجتماعية، وانتقد ما وصفه بصمت المؤسسات أمام حجم الأزمة.
هل فشلت مخططات التنمية؟
السؤال الذي فرضته أحداث الفنيدق ليس فقط: كيف نوقف الهجرة غير النظامية؟ بل أيضا: لماذا أصبح آلاف الشباب يرون في المخاطرة بحياتهم خيارا أفضل من البقاء؟
فالهجرة الجماعية لا تظهر عادة من فراغ، بل تكون نتيجة تراكمات مرتبطة بالبطالة، وضعف الحراك الاجتماعي، وتفاوت الفرص، وفقدان الثقة في المستقبل.
لكن في المقابل، لا يعني ذلك أن كل السياسات التنموية المغربية فشلت، إذ حقق المغرب خلال السنوات الماضية تحولات مهمة في مجالات البنية التحتية والصناعة والاستثمار والطاقة، غير أن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه الدينامية إلى أثر اجتماعي مباشر يشعر به المواطن في حياته اليومية.
لقد كشفت صور الفنيدق عن معادلة صعبة: بلد يراكم مشاريع كبرى، لكنه يواجه في الوقت نفسه جيلا من الشباب يشعر بأن قطار التنمية لم يصل بعد إلى محطته. وربما يكون الدرس الأبرز من هذه الأحداث أن التنمية لا تُقاس فقط بما يُبنى، بل أيضا بما يمنح الإنسان من أمل في البقاء.



