الرئيسية آخر الأخبار ماالذي يحدث… إستقالات غير مسبوقة في وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية

ماالذي يحدث… إستقالات غير مسبوقة في وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية

0
2
blank

كشفت صحيفة واشنطن بوست أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيةالسي أي ايه تواجه موجة غير مسبوقة من التقاعد والاستقالات، إلى درجة أن موظفين سابقين في الوكالة ينتظرون أشهراً قبل الحصول على أول دفعة من معاشاتهم التقاعدية.

وبحسب تقرير نشرته الصحيفة الأمريكية، فإن مسؤولين حاليين وسابقين يؤكدون أن وتيرة التقاعد والاستقالات داخل الوكالة تجاوزت، وفق ما يتذكره العاملون السابقون، كل المستويات المسجلة في السنوات الأخيرة، في وقت أدت فيه عمليات تقليص الموظفين داخل مكتب إدارة شؤون الموظفين الأمريكي إلى زيادة الضغط على منظومة معالجة ملفات التقاعد.

وتقول الصحيفة إن الأزمة أصبحت واضحة داخل الوكالة نفسها، التي اضطرت إلى توجيه رسالة إلى المتقاعدين الجدد تطلب منهم التحلي بالصبر، مؤكدة أن فرع التقاعد يعالج حالياً «عدداً غير مسبوق» من الملفات ويعمل على تسريع صرف المستحقات.

متقاعدون بلا معاش لأشهر

الأكثر إثارة للانتباه أن بعض الموظفين الذين غادروا السي أي ايه باتوا ينتظرون أشهراً للحصول على أول معاش تقاعدي كامل.

وبحسب واشنطن بوست، يتم إبلاغ بعض الموظفين المقبلين على التقاعد بأنهم قد لا يحصلون على أول دفعة كاملة إلا بعد تسعة أشهر أو أكثر من مغادرة مقر الوكالة في لانغلي بولاية فرجينيا.

وتنقل الصحيفة عن مسؤول سابق أن أحد زملائه الذين تقاعدوا في مارس الماضي لم يحصل إلا مؤخراً على أول شيك تقاعدي، وكان جزئياً.

وتكشف هذه التأخيرات عن مشكلة مالية حقيقية بالنسبة إلى المتقاعدين، خصوصاً أولئك الذين يغادرون وظائفهم بعد سنوات طويلة من الخدمة ويجدون أنفسهم أمام أشهر من الانتظار لتأمين دخل ثابت.

ما علاقة إدارة ترامب؟

ترتبط موجة المغادرة، وفق التقرير، بالسياسة التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقليص حجم الجهاز الفيدرالي.

وكانت الإدارة قد أبلغت الكونغرس في ماي 2025 بخطة لتقليص عدد العاملين في السي أي ايه بنحو 1200 موظف على مدى عدة سنوات، على أن يتم الجزء الأكبر من التخفيضات عبر عدم تعويض المغادرين والتقليل من الانتدابات الجديدة.

كما استفاد عدد من موظفي الوكالة من برنامج الاستقالات المؤجلة الذي طرحته الإدارة بهدف تقليص حجم الوظيفة الفيدرالية.

وتشير الصحيفة إلى أن حجم العاملين في سي أي ايه وعدد الذين غادروها منذ بداية الولاية الثانية لترامب يظلان من المعلومات المصنفة، غير أن مسؤولاً سابقاً قدّر أن مئات الموظفين، وربما أكثر من ألف، غادروا الوكالة خلال الفترة الأخيرة.

ويصف بعض المسؤولين السابقين هذه العملية بأنها من أكبر عمليات تقليص حجم الوكالة منذ التخفيضات الكبيرة التي شهدتها بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينيات القرن الماضي.

أزمة السي أي ايه تتقاطع مع أزمة أكبر

لكن المشكلة لا تتوقف عند وكالة الاستخبارات.

فقد شهدت مؤسسات الحكومة الفيدرالية الأمريكية نفسها موجة كبيرة من المغادرة، في وقت تعرض فيه مكتب إدارة شؤون الموظفين ، وهو الجهاز المسؤول عن إدارة الموارد البشرية الحكومية ومعالجة معاشات الموظفين الفيدراليين، لتخفيضات في عدد العاملين.

وتؤكد بيانات مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي أن إدارة خدمات التقاعد داخل مكتب إدارة شؤون الموظفين تقلص عدد موظفيها بنسبة 16% بين السنتين الماليتين 2024 و2026، رغم أن المكتب كان قد شهد في المقابل موجة تاريخية من طلبات التقاعد واضطر إلى توسيع فريقه لمواجهتها.

وتظهر البيانات الرسمية لـمكتب إدارة شؤون الموظفين أن متوسط معالجة ملفات التقاعد العاجلة بلغ 109 أيام فيجويلية 2026، في حين تؤكد الوكالة أن ارتفاع حجم الملفات جعل العديد من الطلبات تستغرق وقتاً أطول من المعتاد.

حتى المعاش المؤقت لا يحل المشكلة بالكامل

وتوضح OPM أن المتقاعدين يمكن، في الحالات المؤهلة، أن يحصلوا على دفعات تقاعدية مؤقتة قبل الانتهاء من معالجة الملف.

وتقول الوكالة إن نحو 75% من المتقاعدين يوضعون عادة على نظام الدفع المؤقت خلال 30 يوماً من استلام ملف التقاعد المكتمل، بينما يمكن أن ينتظر الآخرون حتى 60 يوماً، وتبلغ الدفعة المؤقتة عادة نحو 80% من قيمة المعاش النهائي المقدّر، على أن تتم تسوية الفارق بعد الانتهاء من دراسة الملف.

لكن تقرير واشنطن بوست يشير إلى أن بعض حالات سي أي ايه أكثر تعقيداً من ملفات التقاعد الحكومية التقليدية، بسبب طبيعة العمل الاستخباراتي وتعدد الجهات التي يمكن أن يكون الموظف قد خدم فيها، فضلاً عن حالات الخدمة السرية والهويات المستعارة أو الملفات التي تتطلب تدقيقاً إضافياً.

لماذا تعتبر الأزمة حساسة؟

القضية لا تحمل بعداً مالياً فقط.

فالوكالة تعتمد بصورة كبيرة على خبرات موظفين أمضوا سنوات طويلة في العمل الاستخباراتي، وخروج أعداد كبيرة منهم في فترة قصيرة يمكن أن يؤدي إلى فقدان خبرات تراكمية يصعب تعويضها بسرعة.

كما أن بعض المسؤولين السابقين يحذرون من أن ترك عدد كبير من موظفي الاستخبارات خارج المؤسسة وفي وضع مالي غير مستقر قد يخلق، وفق تعبير أحد المسؤولين الذين تحدثوا إلى الصحيفة، مخاطر مرتبطة بالأمن المضاد والتجسس.

ويتمتع موظفو سي أي ايه المتقاعدون عادة بمعرفة واسعة وحساسة، كما أن القيود القانونية تمنعهم من تولي بعض الوظائف، خصوصاً تلك المرتبطة بالضغط السياسي أو العمل لصالح حكومات أجنبية في مجالات معينة.

مفارقة أمريكية

المفارقة التي تكشفها هذه الأزمة هي أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تقليص حجم الجهاز الحكومي وتسريع خفض النفقات، لكن عملية التقليص نفسها أدت إلى ضغط إضافي على الأجهزة المكلفة بإدارة شؤون الموظفين المتقاعدين.

وبينما تؤكد الحكومة أنها تعمل على تحديث منظومة التقاعد ورقمنتها، فإن الواقع الذي رصدته واشنطن بوست يكشف أن بعض المتقاعدين، وبينهم عناصر سابقون في واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في الولايات المتحدة، يجدون أنفسهم أمام انتظار طويل للحصول على أموال استحقوها بعد سنوات من الخدمة.

ويشير مكتب إدارة شؤون الموظفين إلى أنها أنهت في جويلية 2026 مرحلة الاعتماد الواسع على الملفات الورقية، وانتقلت إلى نظام رقمي لمعالجة أكثر من 95% من طلبات التقاعد، في محاولة لتقليص التأخير.

لكن بالنسبة إلى بعض المتقاعدين الجدد في سي أي ايه ، يبدو أن التحول الرقمي لم يصل بعد إلى حد إنهاء الأزمة.

وبذلك تكشف قصة المعاشات المتأخرة عن جانب آخر من عملية إعادة هيكلة الجهاز الفيدرالي الأمريكي: فحين تغادر أعداد كبيرة من الموظفين في وقت واحد، فإن المشكلة لا تكون فقط في من يغادر، بل أيضاً في قدرة الدولة على إدارة ملايين التفاصيل التي تترتب على رحيلهم.