لم تعد المسألة في ألمانيا مجرد صعود لحزب يميني متطرف داخل المعارضة. الانتخابات المحلية في ولاية ساكسونيا-أنهالت وضعت حزب «البديل من أجل ألمانيا» أمام عتبة تاريخية: لأول مرة منذ سقوط النظام النازي عام 1945، يجد حزب من أقصى اليمين نفسه في موقع يسمح له بالمطالبة بقيادة حكومة ولاية ألمانية.
وفي المقابل، تلقى المستشار فريدريش ميرتس وحزبه «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» ضربة انتخابية قاسية، بعدما جاءت النتيجة في الولاية الواقعة شرق ألمانيا بفارق هائل بين الحزبين.
وبحسب النتائج الرسمية الأولية، حصل «البديل من أجل ألمانيا» على 43.8% من الأصوات و39 مقعدًا من أصل 83، فيما حل الاتحاد المسيحي الديمقراطي ثانيًا بـ17.2% و17 مقعدًا. وتحتاج الأغلبية المطلقة إلى 42 مقعدًا، أي أن الحزب اليميني المتطرف ينقصه ثلاثة مقاعد فقط للسيطرة منفردًا على برلمان الولاية. وبلغت نسبة المشاركة 77.8%، بزيادة 17.5 نقطة مئوية مقارنة بانتخابات 2021.
ليس عودة للنازية… لكن التاريخ حاضر بقوة
السؤال الذي بدأ يطرح نفسه في أوروبا بعد هذه النتيجة هو: هل يمكن أن تعود النازية إلى ألمانيا؟
الإجابة الدقيقة هي: لا يمكن مساواة «البديل من أجل ألمانيا» بالحزب النازي التاريخي بصورة آلية، كما أن ألمانيا اليوم دولة ديمقراطية بمؤسسات دستورية مختلفة جذريًا عن ألمانيا الثلاثينيات.
لكن التشبيه التاريخي لم يأت من فراغ.
فالنتيجة الحالية تمثل أقوى انتصار انتخابي لحزب من اليمين المتطرف في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتفتح للمرة الأولى احتمال وصول هذا التيار إلى قيادة حكومة ولاية.
وهنا تكمن خطورة المشهد: ليس لأن ألمانيا عادت إلى عام 1933، وإنما لأن إحدى أهم المحرمات السياسية التي تشكلت بعد سقوط النازية ــ وهي منع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة عبر تحالفات الأحزاب التقليدية ــ أصبحت أمام اختبار حقيقي.
وقد أكدت وسائل إعلام دولية أن «البديل من أجل ألمانيا» لم يسبق له أن شارك في حكومة على مستوى الولايات الألمانية أو الحكومة الاتحادية، في ظل ما يعرف في ألمانيا بـ«جدار العزل» السياسي الذي ترفض بموجبه الأحزاب الرئيسية التحالف معه.
39 مقعدًا… وثلاثة فقط تفصل عن الأغلبية
الفوز الانتخابي لا يعني أن الحزب يستطيع تشكيل الحكومة فورًا.
فـ«البديل من أجل ألمانيا» حصل على 39 مقعدًا من أصل 83، بينما يحتاج إلى 42 مقعدًا للحصول على الأغلبية المطلقة.
وتزداد المسألة تعقيدًا لأن الأحزاب الرئيسية تستبعد التعاون معه. وبالتالي فإن السؤال الذي يواجه ساكسونيا-أنهالت الآن ليس من فاز بالانتخابات، فقد حُسم ذلك بوضوح، وإنما كيف ستتشكل الحكومة المقبلة؟
الحزب نفسه يضغط من أجل تحويل انتصاره إلى سلطة فعلية، فيما تتمسك القوى السياسية الأخرى بسياسة العزل.
وتشير التغطية الدولية إلى أن حزب «تحالف ساهرا فاغنكنيشت – العقل والعدالة» اليساري الشعبوي هو من بين القوى التي تبدو أكثر انفتاحًا على التعاون معه، وهو ما يجعل الحسابات البرلمانية أكثر تعقيدًا.
هزيمة قاسية لميرتس
بالنسبة إلى فريدريش ميرتس، لم تكن انتخابات ساكسونيا-أنهالت مجرد انتخابات محلية.
حزبه الذي حصل على 37.1% في انتخابات 2021 انهار إلى 17.2% فقط، في واحدة من أسوأ نتائجه في الولاية خلال العقود الأخيرة.
والضربة أكثر إيلامًا لأن ميرتس جعل من احتواء «البديل من أجل ألمانيا» أحد الاختبارات الأساسية لسياساته.
الحكومة الألمانية كانت قد أكدت قبل الانتخابات أن مواجهة القوى المتطرفة يجب أن تكون سياسية ومضمونية، بينما كان ميرتس قد قال إنه سيبذل كل ما يستطيع لمنع حصول الحزب على الأغلبية في الولاية.
وبعد النتيجة، وجد المستشار نفسه في وضع بالغ الصعوبة: سياسات أكثر تشددًا تجاه الهجرة لم تمنع الناخبين من الاتجاه نحو الحزب الأكثر تطرفًا، فيما لم يتمكن الحزب المحافظ من استعادة الناخبين الذين خسرهم.
وكالة رويترز وصفت النتيجة بأنها ضربة لميرتس، مشيرة إلى أن «البديل من أجل ألمانيا» أصبح قريبًا من الوصول إلى أول حكومة إقليمية له في ألمانيا، بينما يتمسك ميرتس بسياسة عدم التعاون معه.
من هو أولريش زيغموند؟
وراء هذا الانتصار شخصية سياسية شابة: أولريش زيغموند، البالغ 35 عامًا، الذي قاد حملة الحزب في ساكسونيا-أنهالت.
زيغموند قدم نفسه بصورة مختلفة عن الصورة الصدامية التقليدية لليمين المتطرف، واعتمد بدرجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى خطاب يركز على «استعادة» ألمانيا وأمنها وهويتها.
لكن وكالة «أسوشيتد برس» تشير إلى أن خلف هذه الصورة الأكثر هدوءًا مواقف سياسية أكثر تشددًا، وأن فرع الحزب في ساكسونيا-أنهالت مصنف من قبل أجهزة الاستخبارات الداخلية الألمانية كجماعة متطرفة. كما ارتبط اسم زيغموند باجتماع عام 2023 ناقش خططًا لترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين.
روسيا والهجرة… مفتاحان لصعود اليمين المتطرف
النتيجة لا يمكن فصلها عن خصوصية شرق ألمانيا.
ساكسونيا-أنهالت كانت جزءًا من ألمانيا الشرقية، وما زالت قضايا الهوية الاقتصادية والاجتماعية والعلاقة مع روسيا والهجرة حاضرة بقوة في المنطقة.
ويدعو «البديل من أجل ألمانيا» إلى إعادة النظر في سياسة برلين تجاه موسكو وإنهاء دعم أوكرانيا، فيما يجد هذا الخطاب صدى لدى جزء من الناخبين في المناطق الشرقية التي تحمل ذاكرة مختلفة للعلاقات مع روسيا والاتحاد السوفياتي.
وفي الوقت نفسه، جعل الحزب من الهجرة وترحيل المهاجرين محورًا أساسيًا في حملته الانتخابية.
وهكذا يلتقي الغضب من تكاليف المعيشة، والقلق من الهجرة، والإحباط من الأحزاب التقليدية، والانقسام حول روسيا وأوكرانيا في كتلة انتخابية دفعت «البديل من أجل ألمانيا» إلى أكثر من 43%.
صدمة في باريس ومدريد
ولم تتوقف تداعيات الانتخابات عند الحدود الألمانية.
في فرنسا، وصف وزير الدولة المكلف بالشؤون الأوروبية بنجامان حداد النتيجة بأنها «لحظة خطيرة في أوروبا»، داعيًا إلى التعامل مع غضب الناخبين ومخاوفهم، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن القومية وكراهية الأجانب ليستا الحل.
أما في إسبانيا، فقد حذر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز من تمدد خطر التطرف في أوروبا والعالم، معتبرًا أن النتيجة الألمانية تحمل دلالات تتجاوز حدود الولاية الألمانية.
وفي بولندا أيضًا، أثارت النتيجة ردود فعل قوية، إذ انتقد رئيس الوزراء دونالد توسك من احتفلوا بانتصار «البديل من أجل ألمانيا»، في مؤشر على أن صعود الحزب الألماني بدأ يتحول إلى قضية أوروبية تتجاوز السياسة الداخلية الألمانية.
هل بدأت أوروبا تدخل مرحلة جديدة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.
فوز «البديل من أجل ألمانيا» في ساكسونيا-أنهالت لا يعني أن الحزب سيحكم الولاية بالضرورة، ولا يعني أن ألمانيا تتجه حتمًا إلى نموذج سياسي شبيه بألمانيا النازية.
لكنه يعني شيئًا آخر أكثر واقعية: الحاجز السياسي الذي أبقى اليمين المتطرف بعيدًا عن قيادة الحكومات المحلية أصبح أضعف من أي وقت مضى.
وتقول رويترز إن الحزب، بعد حصوله على نحو 44% من الأصوات، يحاول الآن استمالة نواب محافظين لتأمين الأغلبية، بينما تتمسك الأحزاب الرئيسية برفض التعاون معه.
والأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الأحزاب التقليدية أن النتيجة لا تبدو حادثة معزولة.
فالانتخابات المقبلة في عدد من الولايات الألمانية ستشكل اختبارات جديدة، بينما تشير استطلاعات الرأي الوطنية إلى اتساع قاعدة «البديل من أجل ألمانيا».
ألمانيا أمام الاختبار الأصعب منذ 1945
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:
«هل عادت النازية؟»
بل:
«هل تستطيع الديمقراطية الألمانية أن تمنع اليمين المتطرف من تحويل قوته الانتخابية إلى سلطة سياسية؟»
حتى الآن، لم يحدث ذلك.
لكن للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبح حزب من أقصى اليمين أكبر قوة سياسية في ولاية ألمانية، وعلى بعد ثلاثة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة.
وهنا تحديدًا تكمن دلالة انتخابات ساكسونيا-أنهالت.
فقد لا تكون ألمانيا قد عادت إلى الماضي، لكنها وجدت نفسها مضطرة مرة أخرى إلى مواجهة أحد أكثر أشباح تاريخها حساسية: صعود اليمين المتطرف إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.
