اعتبر الخبير الاقتصادي آرام بلحاج أن التطورات الأخيرة في بورصة تونس تؤكد، يوماً بعد يوم، أن التراجع الذي شهدته السوق كان أقرب إلى تصحيح فني عابر منه إلى مؤشر على فقدان المستثمرين الثقة أو عزوفهم المستمر عن الاستثمار.
وأوضح أن أداء السوق خلال الفترة الأخيرة يعزز هذه القراءة، لكنه شدد في المقابل على أن البورصة التونسية لا تزال تعاني من ضيق حجمها وضعف سيولتها، ما يجعلها عرضة لتقلبات واهتزازات سريعة كلما واجهت صدمات أو تغيرات في سلوك المستثمرين.
وأكد بلحاج أن تجاوز هذه الهشاشة يقتضي إصلاحات هيكلية عميقة، معتبراً أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة والحكومة من خلال تبني سياسات قادرة على تعزيز دور السوق المالية في تمويل الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، دعا إلى تسريع إدراج المؤسسات العمومية في البورصة عبر فتح جزء من رؤوس أموالها أمام المستثمرين، مع إقرار حوافز ضريبية تشجع الشركات العائلية الكبرى على دخول السوق، بعدما ظلت تفضل البقاء خارجها بسبب اعتبارات مرتبطة بالشفافية والحوكمة.
كما شدد على ضرورة تفعيل دور صناديق التقاعد وشركات التأمين كمستثمرين مؤسساتيين، وتبسيط إجراءات دخول المستثمرين الأجانب، خاصة فيما يتعلق بتحويل الأموال ومراجعة قيود الصرف، مع الإبقاء على آليات حماية استثنائية خلال الأزمات.
ويرى الخبير الاقتصادي أن توسيع قاعدة المستثمرين يمر أيضاً عبر تطوير أدوات الادخار الجماعي، مثل صناديق الاستثمار وصناديق التوظيف الجماعي، بما يتيح استقطاب المدخرات الصغيرة وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج.
ودعا كذلك إلى استحداث أدوات مالية حديثة، مثل العقود المستقبلية وأدوات التحوط والسندات القابلة للتحويل، بما يمنح السوق المالية ديناميكية أكبر ويزيد من تنوع المنتجات الاستثمارية.
وأكد بلحاج أن تعزيز حوكمة الشركات المدرجة ورفع معايير الإفصاح والشفافية يمثلان شرطاً أساسياً لاستقطاب المستثمرين المؤسساتيين والأجانب وتعزيز الثقة في السوق.
ولفت إلى أن مستقبل بورصة تونس لا يرتبط فقط بالإصلاحات الخاصة بالسوق المالية، بل يعتمد أساساً على قوة الاقتصاد الحقيقي، موضحاً أن عمق أي بورصة في العالم يرتبط بحجم الاقتصاد الوطني ومستوى الادخار المحلي الموجه نحو الاستثمار المنتج، وليس نحو الاستهلاك أو المضاربة العقارية.
وفي هذا السياق، شدد على أن معالجة هشاشة المالية العمومية أصبحت أولوية، داعياً إلى إصلاح منظومة الدعم، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، والتصدي للاقتصاد الموازي، ومراجعة نظام الصرف، إلى جانب إصلاح المنظومة الجبائية بما يحقق قدراً أكبر من العدالة الضريبية ويضمن مساهمة الفاعلين الاقتصاديين الكبار الذين ما زال عدد منهم خارج المنظومة الضريبية.



