الرئيسية أخبار تونس بعد الترفيع في أسعار نحو 300 دواء… هل تواجه تونس أزمة أسعار...

بعد الترفيع في أسعار نحو 300 دواء… هل تواجه تونس أزمة أسعار أم أزمة منظومة دوائية؟

0
39
blank

أعادت الزيادات الأخيرة التي شملت أسعار ما يقارب 300 دواء في تونس فتح النقاش حول مستقبل المنظومة الدوائية، في ظل تزايد الضغوط المالية التي تواجه الصيدلية المركزية والصندوق الوطني للتأمين على المرض، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين يعتمدون على العلاج بشكل يومي.

وقد أعلنت الصيدلية المركزية، في منشورها عدد 30 لسنة 2026 الصادر في 24 جويلية الماضي، تحيينا جديدا لأسعار عدد من الأدوية الموجهة للاستعمال البشري، شمل زيادات في أسعار أدوية تستعمل لعلاج أمراض مزمنة مثل السكري والغدة الدرقية وأمراض القلب والدم، إلى جانب تعديلات في أسعار أدوية أخرى. ويأتي هذا التحيين بعد نحو عام من مراجعة واسعة للأسعار شملت أكثر من 280 دواء في جويلية 2025.

مخاوف المرضى

بالنسبة لآلاف المرضى، لا يمثل ارتفاع أسعار الأدوية مجرد زيادة في كلفة منتج استهلاكي، بل زيادة مباشرة في نفقات لا يمكن الاستغناء عنها.

فالمرضى المصابون بأمراض مزمنة، والمتقاعدون، والعائلات محدودة الدخل، هم الأكثر عرضة لتداعيات هذه الزيادات، إذ يعتمد كثير منهم على اقتناء عدة أدوية شهريا، ما يجعل أي زيادة، مهما بدت محدودة، تتحول إلى عبء إضافي على ميزانية الأسرة.

ويرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن المشكلة لا تكمن في الزيادة في حد ذاتها، بل في السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي جاءت فيه، حيث تتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.

أزمة أسعار… أم أزمة تمويل؟

ويعتبر الشكندالي أن مراجعة أسعار الأدوية ليست سوى أحد مظاهر أزمة أعمق تعيشها منظومة الدواء في تونس.

ويشير إلى أن الصيدلية المركزية تواجه منذ سنوات صعوبات مالية متزايدة انعكست على قدرتها في تمويل الواردات والمحافظة على مخزون كاف من الأدوية، في وقت تعتمد فيه تونس بدرجة كبيرة على استيراد الأدوية والمواد الأولية اللازمة للصناعة الدوائية.

وتتقاطع هذه القراءة مع قرارات المجلس الوزاري الذي انعقد خلال شهر مارس الماضي، حيث تقرر تخصيص اعتمادات عاجلة لفائدة الصيدلية المركزية، إلى جانب تكوين مخزون استراتيجي للأدوية الحيوية، وتحسين حوكمة المنظومة الدوائية، والتسريع في تشجيع إنتاج الأدوية الجنيسة للحد من التوريد.

الكنام في قلب المعادلة

ولا تتوقف الإشكالية عند الصيدلية المركزية، إذ تمتد إلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض.

ويحذر الشكندالي من أن ارتفاع أسعار الأدوية قد ينعكس على المرضى حتى في الحالات التي تشملها منظومة التكفل، إذا لم يتم تحيين التعريفات المرجعية التي تعتمدها الكنام بما يتماشى مع الأسعار الجديدة.

وفي هذه الحالة، قد يجد المؤمن الاجتماعي نفسه مضطرا إلى دفع جزء من الفارق من ماله الخاص، وهو ما يزيد من الأعباء المالية على المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة.

موقف الصيادلة

من جانبها، أكدت النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة أنها لم تشارك في اتخاذ قرار مراجعة الأسعار، مشيرة إلى أنها أقصيت منذ نحو سنة من لجنة شراء الأدوية ومن مرصد الدواء.

كما شددت على أن أي مراجعة للأسعار يجب أن تستند إلى معايير واضحة وشفافة، تأخذ في الاعتبار تطور أسعار المواد الأولية، وتقلبات أسعار الصرف، مع المحافظة في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للمواطن وضمان استمرارية تزويد السوق بالدواء.

هل يتحول ارتفاع الأسعار إلى أزمة تزويد؟

ورغم أن الزيادات الأخيرة أثارت جدلا واسعا، فإن عددا من المختصين يرون أن التحدي الأكبر لا يتعلق بالأسعار فقط، وإنما بضمان استمرارية توفير الأدوية.

فالعديد من الأدوية شهدت خلال السنوات الأخيرة انقطاعات متكررة، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات لتعزيز المخزون الاستراتيجي وتحسين تمويل الصيدلية المركزية.

ويحذر الشكندالي من أن استمرار الصعوبات المالية قد يحول أزمة التمويل إلى أزمة تزويد، إذا لم يتم توفير الموارد الضرورية لاستيراد الأدوية والمواد الأولية في الوقت المناسب.

إصلاح شامل بدل الحلول الظرفية

ويرى الخبير الاقتصادي أن معالجة الملف لا يمكن أن تقتصر على مراجعة الأسعار، بل تستوجب إصلاحا هيكليا يشمل حوكمة وتمويل الصيدلية المركزية، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، ودعم صناعة الأدوية الجنيسة، ومراجعة سياسة التسعير، إلى جانب إصلاح منظومة تمويل الكنام.

كما يدعو إلى اعتماد سياسة واضحة لإدارة احتياطي العملة الصعبة تضمن أولوية تمويل واردات الأدوية باعتبارها من المواد الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.

وفي المحصلة، يبقى السؤال المطروح: هل تمثل الزيادات الأخيرة مجرد إجراء مالي ظرفي لضمان استمرارية تزويد السوق، أم أنها تعكس أزمة هيكلية أعمق تستوجب مراجعة شاملة لمنظومة الدواء في تونس؟ وهو سؤال يبدو أن الإجابة عنه ستحدد مستقبل الأمن الدوائي في البلاد خلال السنوات المقبلة.

blank