الرئيسية أخبار تونس بين متقاعدي « سنيب لابراس » والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي… حكاية أغرب من الخيال

بين متقاعدي « سنيب لابراس » والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي… حكاية أغرب من الخيال

0
698
blank

في قصة تبدو أقرب إلى الروايات العبثية منها إلى واقع الإدارة الاجتماعية، يعيش عشرات المتقاعدين من مؤسسة « سنيب لابراس » منذ سنوات على وقع الانتظار والترقب، بين وعود متكررة بتسوية مستحقاتهم المالية وإشعارات جديدة باقتطاع أجزاء من جراياتهم الشهرية. بعضهم رحل عن الدنيا قبل أن يرى نهاية هذا الملف، فيما ما يزال آخرون يتنقلون بين المكاتب والإجراءات الإدارية بحثاً عن حقوق يعتبرونها مكتسبة بحكم القانون.

مع تسمية السيد فهمي قزمير على رأس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تجددت آمال أصحاب الملفات العالقة في أن تجد مشاكلهم طريقها إلى الحل. ومن بين الملفات التي تنتظر تدخلاً عاجلاً من الإدارة العامة الجديدة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يبرز ملف عدد من متقاعدي مؤسسة « سنيب لابراس »، الذي تحوّل بالنسبة إلى عشرات الصحافيين والتقنيين والعملة إلى معاناة امتدت لسنوات، وسط تأخير في صرف المستحقات المالية وتضارب في احتساب الجرايات وقرارات جديدة أثارت موجة من الغضب والاحتقان.

متقاعدون ينتظرون… وبعضهم رحل قبل الإنصاف

يهم هذا الملف أكثر من 100 عوناً من مختلف الأسلاك المهنية بمؤسسة « سنيب لابراس »، وجدوا أنفسهم منذ سنوات في مواجهة مسار إداري معقد للحصول على حقوق يعتبرونها قانونية ومكتسبة.

وتزداد المأساة قسوة عندما يتعلق الأمر بأشخاص قضوا سنوات طويلة في خدمة المؤسسة والدولة، قبل أن يغادر عدد منهم الحياة وهم ينتظرون تسوية وضعياتهم المالية. فقد توفي بعض المتقاعدين دون أن يتمكنوا من الحصول على مستحقاتهم أو رؤية نهاية لهذا الملف الذي طال أمده.

من وعود بالتسوية إلى إشعارات بالاقتطاع

المفارقة التي يصفها المتضررون بأنها « أغرب من الخيال » تتمثل في أن عدداً من الأعوان تلقوا خلال الأشهر الماضية إشعارات تفيد بقرب تسوية وضعياتهم وصرف مستحقاتهم المالية.

ويؤكد بعضهم أنه تم إعلامه منذ شهر مارس الماضي بقيمة المبالغ التي ستصرف له في إطار تسوية ملفه، غير أنه ما يزال ينتظر إلى اليوم دون أن يتلقى أي حوالة أو توضيح رسمي بشأن أسباب التأخير.

وفي المقابل، فوجئ عدد آخر من المتقاعدين بإعلامهم بأن الصندوق سيشرع في اقتطاع مبالغ شهرية من جراياتهم بدعوى تصحيح أخطاء سابقة حصلت أثناء احتساب الجرايات.

وفي إحدى الحالات، تم إعلام عدد منهم بأن الاقتطاع الشهري قد يبلغ أو يتجاوز 200 دينار، وهو مبلغ يمثل جزءاً مهماً من جراية محدودة بالكاد تكفي لتغطية المصاريف الأساسية من غذاء ودواء وفواتير.

من يتحمل كلفة الخطأ؟

السؤال الذي يطرحه المتضررون اليوم يبدو بسيطاً ومشروعاً: إذا كان الخطأ قد وقع أثناء احتساب الجرايات من قبل مصالح الصندوق، فهل من العدل أن يتحمل المتقاعد وحده تبعات هذا الخطأ بعد سنوات من صرف المبالغ المعنية؟

ويؤكد عدد من المتقاعدين أن أغلب المسرحين من المؤسسة ينتمون إلى فئات مهنية ذات دخل متواضع، وأن أي اقتطاع إضافي من جراياتهم سيؤثر مباشرة على قدرتهم على توفير احتياجاتهم الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والأدوية.

ملف المفعول الرجعي يثير الجدل

ولا يقتصر الإشكال على الجرايات فقط، بل يشمل أيضاً ملف المفعول الرجعي للفترة الممتدة بين سنتي 2016 و2019.

فبحسب المعنيين، تم الاقتصار على احتساب المفعول الرجعي انطلاقاً من سنة 2019 فقط، رغم أن المؤسسة قامت بتسوية وضعيتها المالية تجاه الصندوق، وهو ما دفع المتقاعدين إلى المطالبة بتمكينهم من كامل حقوقهم عن الفترة السابقة.

ويشير عدد منهم إلى أن بعض المتقاعدين كانوا قد انتفعوا سابقاً بكامل مستحقاتهم قبل أن يتم التراجع عن ذلك، الأمر الذي ولّد شعوراً بالتمييز وعدم المساواة بين أصحاب الوضعية نفسها.

كما يطرح المتضررون إشكال النظام التكميلي « كافيس »، الذي ما يزال بدوره محل تذمر بسبب ما يعتبرونه غياباً للحلول النهائية والشفافة.

أزمة مالية أم خلل إداري؟

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تحديات مالية كبيرة، بعد تسجيل عجز فاق 1.2 مليار دينار سنة 2024، مع استمرار الضغوط المالية خلال السنوات اللاحقة.

ورغم أن المتقاعدين لا يملكون معطيات رسمية تربط بين وضعيتهم الخاصة والصعوبات المالية للصندوق، فإنهم يتساءلون عما إذا كانت هذه الأزمة قد ألقت بظلالها على معالجة ملفاتهم وتسوية حقوقهم في الآجال المعقولة.

رسالة إلى الإدارة الجديدة

اليوم، ومع مباشرة الإدارة العامة الجديدة لمهامها، يأمل متقاعدو « سنيب لابراس » أن يكون ملفهم من بين الأولويات العاجلة المطروحة على طاولة القرار.

فالقضية لا تتعلق بأرقام أو إجراءات محاسبية فحسب، بل بمواطنين أفنوا سنوات طويلة من حياتهم المهنية في خدمة مؤسسة وطنية، وينتظرون أن تُحترم حقوقهم كاملة دون تأخير أو اقتطاعات قد تدفع بعضهم إلى مزيد من الهشاشة الاجتماعية.

ويبقى السؤال المطروح: هل تفتح الإدارة الجديدة للصندوق صفحة جديدة مع هذا الملف وتضع حداً لمعاناة استمرت سنوات، أم أن المتقاعدين سيواصلون الانتظار في طوابير التسويات المؤجلة، فيما تتناقص أعمارهم وتزداد أعباؤهم المعيشية يوماً بعد يوم؟