لم يعد الجدل في تونس يدور فقط حول القضية الأخلاقية التي ما تزال الأبحاث جارية بشأنها، بل انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: كيف وصلت وثيقة رسمية من ملف قضائي إلى مواقع التواصل الاجتماعي بهذه السرعة، ومن يقف وراء تسريبها، ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟
فبعد تداول محضر بحث يتضمن معطيات شخصية وتفاصيل حساسة تتعلق بعدد من الأشخاص، انقسمت المواقف بين من رأى في نشر الوثيقة تجاوزًا لحقوق المتهمين واعتداءً على حياتهم الخاصة وخصوصية عائلاتهم، وبين من اعتبر أن توقيت التسريب يثير شبهة وجود رغبة في توجيه اهتمام الرأي العام بعيدًا عن ملفات أخرى تشغل الساحة السياسية والقضائية.
الصحفي كمال الشيحاوي تناول الجدل من زاوية مختلفة، متسائلًا عن الاستخدام المتكرر في تونس لعبارات من قبيل «إلهاء الرأي العام» و«تحويل اهتمام الرأي العام» و«افتعال قضية لجعل الناس ينسون قضية أخرى».
ويرى الشيحاوي أن هذه العبارات تفترض وجود رأي عام متماسك، له ذاكرة جماعية واتجاهات واضحة وقدرة على التأثير والضغط والمحاسبة، بينما تبدو الساحة العامة التونسية، في تقديره، أكثر تعقيدًا وتشتتًا.
وتساءل في هذا السياق: «إلهاء من عن ماذا؟ وأي رأي عام نتحدث عنه؟»، معتبرًا أن كل قضية قد تكون جديرة بالنقاش في حد ذاتها، بعيدًا عن محاولة ربط كل حدث بحدث آخر أو تفسيره باعتباره جزءًا من خطة لإبعاد الأنظار.
ويطرح الشيحاوي بذلك سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة المجال العام في تونس، وما إذا كان ما يزال قادرًا على إنتاج رأي عام متماسك، في ظل تعدد المنصات وتراجع الثقة في وسائل الإعلام والمؤسسات وتزايد تأثير شبكات التواصل الاجتماعي.
«تسريب مدروس لتنفيس الاحتقان»؟
في المقابل، ذهب الصحفي عامر بوعزة إلى قراءة أكثر حدة للتوقيت.
فقد اعتبر أن تسريب محضر القضية الأخلاقية في هذا التوقيت لا يمكن أن يكون، في تقديره، مجرد واقعة عابرة، وربطه مباشرة بحالة الاحتقان التي خلفها اعتقال الصحفي محمد اليوسفي، وكذلك وفاة رجل الأعمال لزهر سطا أثناء فترة سجنه.
واستحضر بوعزة فيلم «الهروب» للمخرج المصري عاطف الطيب، مشبهًا ما يحدث بما ورد في الفيلم من استخدام قضية جنائية كوسيلة لصرف أنظار الجمهور عن قضية أخرى.
لكن هذا الطرح، إلى حد الآن، يبقى قراءة سياسية وإعلامية لتوقيت التسريب، وليس إثباتًا لوجود جهة رسمية أو سياسية تقف وراءه، في غياب معطيات معلنة تكشف مصدر الوثيقة أو الجهة التي قامت بتسريبها.
السؤال الأخطر: من سرّب الوثيقة؟
وبعيدًا عن مضمون المحضر نفسه، يبرز سؤال قانوني ومهني لا يقل أهمية عن القضية الأصلية: كيف خرجت وثيقة يفترض أنها جزء من ملف بحث قضائي إلى الفضاء العام؟
فتداول محاضر الأبحاث والوثائق القضائية لا يتعلق فقط بحق الجمهور في المعرفة، وإنما يطرح أيضًا مسائل مرتبطة بسرية الأبحاث، وحماية المعطيات الشخصية، وقرينة البراءة، وحقوق الأشخاص الذين ترد أسماؤهم في الملفات، بمن في ذلك أشخاص قد لا تكون لهم علاقة مباشرة بالفعل موضوع البحث.
وهنا تبرز ملاحظة الصحفية عايدة محمد بوقرة، التي انتقدت بشدة سرعة تداول المحضر على مواقع التواصل الاجتماعي، متسائلة عن الكيفية التي خرجت بها وثيقة رسمية وانتشرت بهذه السرعة، ومشددة على أن ما يرد في مثل هذه الوثائق قد يتضمن أعراضًا وتفاصيل شخصية تخص أشخاصًا لهم عائلات وأبناء لا ذنب لهم في القضية.
كما طرحت بوقرة سؤالًا حول الأولويات، في ظل المشاغل اليومية للتونسيين، من نقص بعض المواد الأساسية وطول الطوابير وارتفاع الضغوط الاجتماعية، معتبرة أن تحويل قضية أخلاقية إلى مادة واسعة للتداول لن يحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
المفارقة: قرار يمنع تداول الوثائق الرسمية
وتزداد المفارقة حدة بالنظر إلى أن الجدل يأتي في وقت سبق أن صدرت فيه توجيهات وقرارات رسمية تتعلق بمنع نشر أو تداول وثائق إدارية وقضائية معينة خارج الأطر القانونية.
فكيف يمكن لوثيقة رسمية حساسة أن تنتقل من ملف بحث إلى شبكات التواصل الاجتماعي، ثم تصبح خلال ساعات مادة للنقاش العام، دون أن يكون السؤال الأول هو: من أين جاءت الوثيقة؟ ومن قام بتسريبها؟
ذلك أن المسؤولية لا تتعلق فقط بمن أعاد نشر الوثيقة، وإنما تبدأ قبل ذلك من الحلقة التي خرجت منها الوثيقة أصلًا.
بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأشخاص في الخصوصية
القضية تفتح أيضًا نقاشًا أوسع حول الحدود الفاصلة بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأشخاص في حماية حياتهم الخاصة وسمعتهم وكرامتهم.
فليس كل ما يصل إلى صحفي أو مدون أو مستخدم لشبكات التواصل الاجتماعي يصبح تلقائيًا صالحًا للنشر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمحاضر أبحاث لم تنتهِ بعد، أو بمعطيات شخصية وحساسة لأشخاص لم تصدر في شأنهم أحكام قضائية نهائية.
كما أن تداول تفاصيل واردة في محضر بحث لا يعني بالضرورة ثبوت ما ورد فيه، إذ تظل الأبحاث والتحقيقات مرحلة من مراحل التقصي، ولا تتحول المعطيات الواردة فيها إلى حقائق قضائية نهائية إلا بعد استكمال المسار القضائي وصدور الأحكام وفق القانون.
هل نحن أمام «إلهاء» أم أمام قضية تستحق التحقيق؟
ربما تكون الإجابة الأكثر مهنية في هذه المرحلة هي عدم القفز إلى أي استنتاج.
ففرضية وجود محاولة لإلهاء الرأي العام عن ملفات أخرى تظل فرضية تحتاج إلى أدلة، تمامًا كما أن اعتبار التسريب مجرد حادث عرضي يحتاج بدوره إلى معرفة مصدر الوثيقة والظروف التي أحاطت بخروجها.
لكن المؤكد أن التسريب نفسه أصبح قضية قائمة بذاتها.
فإذا كانت الوثيقة رسمية فعلًا، فإن السؤال عن كيفية خروجها من مسارها القانوني يبدو مشروعًا. وإذا كانت تحتوي على معطيات شخصية وحساسة، فإن مسؤولية من سرّبها ومن نشرها ومن أعاد توزيعها تصبح أكثر أهمية.
ما أهميتها اعلاميا
الصحفي والمراسل الدولي نور الدين المباركي يطرح القضية من زاوية أخرى ليؤكد في تدوينة له صباح اليوم » ليست كل « فضيحة أخلاقية » بالضرورة مادة إعلامية.
الفضيحة، في حدّ ذاتها، لا تمنح الحدث قيمته الصحفية، ولا تجعل من الحياة الخاصة شأنا عاما….
تصبح الواقعة مادة إعلامية عندما تتجاوز الخاص إلى العام، أي حين تكون مرتبطة باستغلال المنصب أو تضارب المصالح أو إساءة استخدام السلطة أو انتهاك الحقوق أو التسبب في ضرر أو خطر يطال المجتمع.
أما حين تظل الواقعة محصورة في الحياة الخاصة للأفراد، ولا تتصل بمصلحة عامة أو مسؤولية عامة، فإن تحويلها إلى مادة إعلامية لا يكون صحافة بالضرورة، بل قد يتحول إلى مجرد إثارة.
الصحافة لا تسأل فقط: ماذا حدث؟
تسأل أيضا: لماذا يهم الناس أن يعرفوا؟ وأين تكمن المصلحة العامة؟
أما القضية الأصلية، فما تزال محل أبحاث، وبالتالي فإن احترام قرينة البراءة وعدم تحويل محاضر البحث إلى أحكام شعبية يجب أن يبقيا قاعدة أساسية في التعاطي معها « .
وفي بلد يعيش منذ سنوات على وقع ملفات سياسية وقضائية وإعلامية متلاحقة، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: «من يريد إلهاء التونسيين؟»
بل أصبح هناك سؤال آخر أكثر إلحاحًا:
من يريد أن يعرف التونسيون ماذا؟ ومن يقرر ما الذي يجب أن يعرفوه؟ ومن أين تأتي الوثائق التي تصنع، في ساعات قليلة، موضوع النقاش العام؟
