48 موقوفاً و9 مطلوبين دولياً و700 ألف تدقيق على قواعد البيانات.. وتوقيف فارّ من السجن على الحدود الجزائرية التونسية
لم تكن تونس مجرد اسم ضمن قائمة الدول المشاركة في عملية أمنية دولية أطلقتها المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول» في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل كانت إحدى الدول الخمس التي شملتها عملية «فينيكس» التي استمرت ثلاثة أسابيع، وركزت على تعقب أشخاص مطلوبين دولياً وعلى استخدام نقاط العبور الحدودية لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وبحسب البيان الرسمي للإنتربول، شاركت في العملية كل من تونس والجزائر والمغرب والأردن وفلسطين، وأسفرت في مجموعها عن توقيف 48 شخصاً، بينهم ثمانية مطلوبين بموجب نشرات حمراء للإنتربول وشخص تاسع كان موضوع تعميم دولي للمطلوبين.
لكن ما يلفت الانتباه بالنسبة إلى تونس هو أن أحد أبرز توقيفات العملية وقع على معبر بري بين الجزائر وتونس.
مطلوب لفرنسا أوقف على الحدود الجزائرية التونسية
يذكر الإنتربول أن إحدى أبرز نتائج «فينيكس» تمثلت في توقيف فارّ ثانٍ من السجن، كان مطلوباً لدى السلطات الفرنسية، وذلك عند نقطة عبور برية تقع على الحدود بين الجزائر وتونس.
وكان الرجل قد صدر في حقه حكم بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة القتل، قبل أن يفر من السجن، ليصبح لاحقاً مطلوباً لدى السلطات الفرنسية.
ولا يقدم البيان الرسمي للإنتربول تفاصيل إضافية عن هوية الرجل أو جنسيته أو اسم المعبر الحدودي الذي تم فيه توقيفه، كما أنه لا يقول إن التوقيف تم داخل الأراضي التونسية؛ لذلك لا يمكن، استناداً إلى المعطيات المنشورة حالياً، نسب عملية الاعتقال مباشرة إلى الأجهزة التونسية.
لكن وجود الحدود الجزائرية التونسية ضمن إحدى أهم نتائج العملية يكشف عملياً أهمية التنسيق الأمني على هذه النقطة الحساسة من شمال إفريقيا.
أما التوقيف الآخر الذي حظي باهتمام كبير، فقد تم في مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائرية، حيث أوقف شخص يشتبه في كونه العقل المدبر لعملية إطلاق نار وقعت في مدينة تولوز الفرنسية سنة 2022.
وكان المشتبه فيه قد فر سابقاً من السجن بعد إدانته والحكم عليه بالسجن ثماني سنوات في قضايا تتعلق بتهريب المخدرات والمشاركة في مؤامرة إجرامية وحيازة أسلحة.
أكثر من 700 ألف عملية تدقيق
وتكشف الأرقام التي أعلنها الإنتربول حجم العملية.
فخلال الأسابيع الثلاثة، أجرت الأجهزة المشاركة أكثر من 700 ألف عملية تدقيق ومطابقة مع قواعد بيانات المنظمة الدولية للشرطة الجنائية.
وأسفرت عمليات التدقيق عن 246 مطابقة إيجابية تتعلق بأشخاص ووثائق سفر.
كما تم العثور على خمس وثائق سفر كانت مبلّغاً عنها ضمن قاعدة بيانات الإنتربول الخاصة بالوثائق المسروقة والمفقودة.
وتضمنت المحجوزات التي أعلن عنها الإنتربول:
- 11 سيارة فاخرة؛
- 1.8 كيلوغرام من الذهب؛
- 13 ألف قرص من الكبتاغون؛
- 123 كبسولة من الميثامفيتامين؛
- 1525 علبة سجائر مهربة؛
- 530 هاتفاً محمولاً؛
- 16,300 دولار نقداً؛
- 9900 يورو نقداً.
وهنا أيضاً، ينبغي التمييز بين الحصيلة الإجمالية للعملية في البلدان الخمسة وبين ما تم ضبطه تحديداً في تونس، إذ إن البيان الرسمي للإنتربول لا يوزع هذه المحجوزات حسب كل دولة، وبالتالي لا يمكن نسب أي من هذه الأرقام إلى تونس بشكل منفصل.
تونس ضمن عملية قادتها شرطيات بالكامل
ومن الخصائص اللافتة للعملية أن الإنتربول وصفها بأنها أول عملية عابرة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتولى فيها شرطيات المسؤولية العملياتية الكاملة.
فقد تولت الضابطات عمليات التدقيق الأولية للوثائق عند نقاط العبور، وإجراء المقابلات والتثبتات الأمنية، وصولاً إلى مسؤوليات قيادة العمليات الحدودية.
كما تولت الشرطيات إدارة التعاون الدولي في مكاتب الإنتربول في الدول الخمس المشاركة، ومن بينها تونس، إضافة إلى تنسيق الأنشطة في وحدتي التنسيق العملياتي اللتين أقيمتا في الجزائر والعاصمة الأردنية عمّان.
وبذلك، فإن المشاركة التونسية في «فينيكس» لم تكن محصورة في مراقبة حدودية محلية، وإنما جاءت ضمن منظومة تعاون دولي تعتمد على تبادل المعلومات وقواعد بيانات الإنتربول والتنسيق بين المكاتب المركزية الوطنية.
ما علاقة «مومينتوم-مينا» بتونس؟
العملية جزء من مشروع «مومينتوم-مينا» الذي أطلقه الإنتربول لتعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع تركيز خاص على التدريب العملياتي وتعزيز حضور النساء في أجهزة الشرطة.
وتونس واحدة من الدول المشاركة في هذا المشروع إلى جانب الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين. ويقول الإنتربول إن المشروع مدته ثلاث سنوات وتموله الاتحاد الأوروبي.
واللافت أن تونس كانت حاضرة بشكل خاص في برامج تدريبية مرتبطة بالمشروع.
ففي سبتمبر 2024، اختيرت أول مستفيدة من برنامج الزمالة المهنية للمشروع، وهي ضابطة شرطة تونسية، بعد عملية اختيار تنافسية. وقد أمضت برنامجاً تدريبياً استمر 12 أسبوعاً، واكتسبت خلاله خبرة عملية داخل إدارات الإنتربول واستخدام أدوات وقواعد بيانات متخصصة والتعاون الشرطي الدولي.
كما استضافت تونس العاصمة في ديسمبر 2024 دورة متخصصة في التحقيق في الجرائم السيبرية، شاركت فيها أكثر من 40 محققة ومحللة ومدعية عامة وقاضية من سبع دول، بينها تونس والجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين.
وفي أكتوبر 2024، شاركت أكثر من 20 شرطية من المنطقة، من بينهن شرطيات تونسيات، في تدريب بليون الفرنسية حول القيادة وتولي المسؤوليات في أجهزة إنفاذ القانون. كما شارك محققون ومحللون تونسيون في نوفمبر 2024 في تدريب حول الاستخبارات المستقاة من المصادر المفتوحة في العاصمة الأردنية عمّان.
ماذا تعني العملية بالنسبة إلى تونس؟
بالنسبة إلى تونس، ربما تكمن أهمية «فينيكس» في نقطة محددة أكثر من أرقام التوقيفات والحجوزات: الحدود لا تعمل اليوم باعتبارها خطوطاً منفصلة بين دول المنطقة، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة أمنية تعتمد على تبادل المعلومات في الزمن الحقيقي وربط نقاط العبور بقواعد البيانات الدولية.
فالعملية استخدمت نقاط العبور الجوية والبرية والبحرية في الدول الخمس، فيما أقيم مركزان للتنسيق العملياتي في الجزائر وعمّان، وتولت مكاتب الإنتربول في الدول المشاركة إدارة التعاون الدولي.
وهذا يجعل الحدود الجزائرية التونسية، التي ظهرت في البيان الرسمي باعتبارها موقعاً لتوقيف أحد المطلوبين لفرنسا، إحدى النقاط التي تعكس بوضوح طبيعة التعاون الأمني العابر للحدود في المنطقة.
لكن من المهم التأكيد أن الإنتربول لم ينشر حصيلة مفصلة خاصة بتونس: لا عدد التوقيفات التي تمت على الأراضي التونسية، ولا عدد الوثائق أو السيارات أو المخدرات التي ضبطتها الأجهزة التونسية تحديداً. لذلك فإن أي حديث عن «توقيفات تونسية» أو «محجوزات تونسية» بأرقام محددة يتجاوز ما ورد في البيان الرسمي المنشور.
الإنتربول: تسعة مطلوبين دولياً
وقالت ماريا كارمن مونيوز غونزاليس، مديرة مكافحة الإرهاب في الإنتربول، إن توقيف تسعة أشخاص مطلوبين دولياً، بينهم أشخاص سبق أن صدرت بحقهم أحكام، يبرز أهمية التعاون الشرطي الدولي في نقاط العبور الحدودية التي قد تكون حساسة أمنياً.
وبحسب الإنتربول، فإن النتائج الإجمالية للعملية تعكس الدور الذي قامت به الشرطيات اللواتي تولين المسؤولية العملياتية الكاملة عنها.
وبالنسبة إلى تونس، فإن الرسالة الأبرز للعملية ليست فقط عدد الأشخاص الذين تم توقيفهم، وإنما أن الحدود التونسية أصبحت، في مثل هذه العمليات الدولية، جزءاً من شبكة بحث وتدقيق تشمل قواعد بيانات الإنتربول وتربط بين الأجهزة الأمنية في خمس دول في المنطقة، وصولاً إلى السلطات الأوروبية التي تطلب توقيف مطلوبين موجودين خارج حدودها.
