كشف وزير التجارة وتنمية الصادرات، سمير عبيد، عن تصاعد الملفات المتعلقة بالممارسات المخلة بالمنافسة في تونس، معلناً أن الوزارة رفعت 5 قضايا أمام مجلس المنافسة تتعلق باتفاقات غير مشروعة وممارسات من شأنها الإخلال بالمنافسة في الصفقات العمومية.
وأوضح الوزير أن المجلس تعهّد بدوره بـ11 قضية أخرى، في إطار دعاوى رفعتها مؤسسات متضررة، إلى جانب ملفات تعهّد بها المجلس تلقائياً.
لكن الرقم الأبرز في تصريح الوزير يتمثل في استعداد الوزارة لاستكمال إجراءات إحالة 15 قضية إضافية على أنظار مجلس المنافسة قبل موفى سنة 2026، في إطار جهودها لمكافحة الممارسات الاحتكارية وتفكيك وضعيات الهيمنة والإخلال بقواعد المنافسة.
وباحتساب الملفات الثلاثين التي تشمل القضايا الخمس المرفوعة من الوزارة، والإحدى عشرة قضية التي تعهّد بها المجلس، والخمس عشرة قضية الإضافية المنتظر إحالتها، فإن عدد الملفات المعنية يصل إلى 31 قضية، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم يجمع بين قضايا قائمة وأخرى ما تزال في طور استكمال إجراءات الإحالة.
3.9 ملايين دينار خطايا مالية
وفي جانب آخر، أعلن وزير التجارة الانطلاق في إجراءات تنفيذ عدد من القرارات الصادرة عن مجلس المنافسة، بعد استكمال مسارات التقاضي المتعلقة بها واكتسابها الصبغة التنفيذية.
وأشار إلى أن المجلس يتعهد حالياً بتنفيذ ستة قرارات بلغت القيمة الجملية للخطايا المالية المسلطة بموجبها 3.9 ملايين دينار.
وتكشف هذه المعطيات أن دور مجلس المنافسة لا يقتصر على النظر في النزاعات بين المؤسسات الاقتصادية، بل يمتد إلى التصدي للممارسات التي يمكن أن تؤدي إلى إقصاء المنافسين والتلاعب بالأسعار وتقاسم الأسواق واستغلال النفوذ الاقتصادي.
507 آلاف عملية تفقد وأكثر من 86 ألف مخالفة
وفي ما يتعلق بالرقابة الاقتصادية، أفاد سمير عبيد بأن التدخلات الرقابية أسهمت في إحباط العديد من التجاوزات، حيث تم خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2026 تنفيذ 507 آلاف عملية تفقد، أسفرت عن رفع أكثر من 86 ألف مخالفة اقتصادية.
وتعكس هذه الأرقام حجم العمل الرقابي المطلوب في الأسواق، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى قدرة آليات الرقابة والعقوبات على الحد من التجاوزات بصورة مستدامة، خاصة في القطاعات التي تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الصفقات العمومية والإنفاق العام.
الصفقات العمومية في قلب النقاش
والأهم من كل هذا أن تصريحات وزير التجارة تأتي في توقيت يكتسب دلالة خاصة، إذ لم تمض سوى أيام قليلة على إثارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد لملف الصفقات العمومية وضرورة مراجعة التشريعات المنظمة لها.
فخلال لقائه يوم 2 نوفمبر 2026 بوزير التجهيز والإسكان صلاح الدين الزواري، أكد رئيس الجمهورية أهمية مراجعة القوانين المنظمة للصفقات العمومية، ليس في مجال البنية التحتية فحسب، بل في مختلف القطاعات، بهدف التصدي للفساد والحد من التجاوزات واختصار آجال الإنجاز.
وأشار رئيس الدولة إلى أن العديد من الأمثلة تؤكد أن التشريعات الحالية تجاوزها الزمن، سواء فيما يتعلق بالمدد المحددة لإنجاز المشاريع أو بما تشهده بعض الصفقات من مظاهر غش وفساد.
وهنا تبرز أهمية الملفات التي تحدث عنها وزير التجارة، خصوصاً أن الاتفاقات غير المشروعة بين المؤسسات المتنافسة يمكن أن تؤدي إلى التحكم المسبق في نتائج الصفقات، وتضخيم الأسعار، وإقصاء مؤسسات أخرى من المنافسة، بما ينعكس مباشرة على كلفة المشاريع التي تمولها الدولة من المال العام.
علينا أن نفهم قبل ذلك أن مكافحة الفساد في الصفقات العمومية لا تقتصر على مراقبة الإجراءات الإدارية أو التثبت من سلامة الوثائق، وإنما تشمل أيضاً كشف الاتفاقات السرية بين المتنافسين، والتصدي لتوزيع الصفقات والأسواق، ومنع استغلال وضعيات الهيمنة الاقتصادية.
ما هو مجلس المنافسة وما دوره في تونس؟
مجلس المنافسة هو هيئة عمومية مستقلة تتولى السهر على احترام قواعد المنافسة في السوق التونسية، والتصدي للممارسات التي من شأنها الإضرار بالمنافسة الحرة والنزيهة.
وتشمل صلاحياته النظر في الممارسات المخلة بالمنافسة، وخاصة الاتفاقات المحظورة بين المؤسسات، واستغلال وضعيات الهيمنة، والممارسات التي تؤدي إلى تقييد المنافسة أو إقصاء المتعاملين الاقتصاديين.
وتكتسي تدخلاته أهمية خاصة في مجال الصفقات العمومية، لأن التواطؤ بين المؤسسات المتنافسة يمكن أن يحرم الدولة من عروض أفضل، ويؤدي إلى ارتفاع كلفة المشاريع، ويضعف فرص المؤسسات التي تحترم قواعد المنافسة.
وبالتالي، فإن الملفات التي أعلن عنها وزير التجارة، إلى جانب دعوة رئيس الجمهورية إلى مراجعة تشريعات الصفقات العمومية، تضع مسألة المنافسة والشفافية في قلب النقاش حول إصلاح منظومة التصرف في المال العام.
ويبقى التحدي الأساسي هو تحويل هذه الملفات من مجرد قضايا وإجراءات وخطايا مالية إلى آلية فعلية تضمن عدم تكرار التجاوزات، وتعيد الاعتبار للمنافسة النزيهة، وتمنح المؤسسات الاقتصادية فرصاً متكافئة في الوصول إلى الصفقات العمومية.
