الرئيسية أخبار تونس جيل زد… جيل لم يتخلص بعد من الاعتماد المادي على الأسرة

جيل زد… جيل لم يتخلص بعد من الاعتماد المادي على الأسرة

0
1
أرشيف
أرشيف

لم يعد الاعتماد على الوالدين ظاهرة مرتبطة بالمراهقين أو بالطلاب الذين لم يدخلوا سوق العمل بعد. ففي عدد متزايد من المجتمعات، أصبح الشاب البالغ، حتى بعد دخوله سوق العمل، يجد نفسه مضطراً إلى الاستمرار في الاستفادة من الدعم المالي أو السكني الذي توفره الأسرة.

المؤشر الأحدث على ذلك جاء من الولايات المتحدة، حيث كشفت دراسة أجرتها مؤسسة نورث وسترن ميوتشوال أن 72 بالمائة من أفراد جيل زد البالغين يقولون إنهم يعتمدون مالياً على آبائهم، مقابل 53 بالمائة من جيل الألفية و33 بالمائة من جيل إكس. وعلى مستوى الأميركيين البالغين عموماً، قال 42 بالمائة إنهم ما زالوا يعتمدون مالياً على الأجيال السابقة. والمقصود بالاعتماد في هذه الدراسة أن الشخص لا يستطيع إعالة نفسه من دون والديه إذا احتاج إلى ذلك، وليس بالضرورة أنه يتلقى مبلغاً مالياً شهرياً منهم.

في المقابل، يعتبر 24 بالمائة فقط من أفراد جيل زد أنفسهم مستقلين مالياً بالكامل، فيما يتوقع نحو واحد من كل خمسة أميركيين أنهم لن يصلوا إلى الاستقلال المالي أبداً. ويقدّر الأميركيون في المتوسط أنهم يبلغون الاستقلال المالي، أو يتوقعون بلوغه، في سن السابعة والثلاثين.

ظاهرة تتجاوز الولايات المتحدة

ما يحدث في الولايات المتحدة ليس حالة معزولة. فقد رصدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خلال السنوات الأخيرة ارتفاع نسبة الشباب الذين يعيشون في منزل الوالدين في عدد من الدول، وربطت الظاهرة خصوصاً بارتفاع أسعار شراء المنازل والإيجارات، وعدم استقرار الوظائف، وصعوبة تأسيس أسرة مستقلة.

وتبرز الظاهرة بصورة خاصة في دول جنوب أوروبا مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، حيث ارتفعت أو بقيت مرتفعة نسب الشباب المقيمين مع أسرهم.

وهنا يتضح أن ما يبدو في ظاهره اعتماداً على الوالدين قد يكون في الحقيقة نتيجة مباشرة لتحول اقتصادي عالمي. فالانتقال من الدراسة إلى العمل، ثم إلى السكن المستقل والزواج، أصبح أطول وأكثر كلفة مما كان عليه بالنسبة إلى الأجيال السابقة.

جيل كامل يؤجل الاستقلال

اللافت أن المسألة لا تتعلق فقط بمن لا يعملون. فحتى الشباب الذين لديهم وظائف قد يجدون أن رواتبهم لا تسمح لهم بتكرار نموذج الحياة الذي عاشه آباؤهم.

راتب يبدأ به الشاب حياته، في مواجهة إيجار مرتفع وفواتير الطاقة والاتصالات والنقل والطعام والتأمين، وربما قروض الدراسة أو الديون الاستهلاكية، قد لا يترك له ما يكفي لبناء مدخرات أو شراء مسكن.

وهكذا ظهر نموذج جديد: الشاب يعمل، لكنه لا يستطيع أن يعيش بمفرده.

وقد يكون لديه راتب وحساب مصرفي وبطاقة مصرفية، وربما وظيفة مستقرة، لكنه يستمر في السكن مع والديه لأن تكلفة الاستقلال أعلى بكثير من قدرته المالية.

الولايات المتحدة: الأرقام تكشف التحول

تؤكد دراسة أخرى أجراها مركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة أن العلاقة المالية بين الأجيال أصبحت وثيقة بصورة كبيرة.

ففي دراسة شملت آباء وأبناء بالغين بين 18 و34 عاماً، قال 59 بالمائة من الآباء إنهم قدموا مساعدة مالية لأبنائهم البالغين خلال العام السابق. وفي المقابل، قال 45 بالمائة فقط من الشباب البالغين إنهم مستقلون مالياً تماماً عن آبائهم.

ولا تعني المساعدة بالضرورة تحويل الأموال نقداً، فقد تشمل مصاريف السكن والبقالة وفواتير الهاتف والتأمين والسيارة وغيرها من النفقات.

بل إن 72 بالمائة من الشباب الذين يعيشون مع آبائهم قالوا إنهم يساهمون مالياً بطريقة ما في مصاريف الأسرة، وهو ما يكشف نقطة مهمة: العيش مع الوالدين لا يعني دائماً أن الشاب يعيش على حسابهما. أحياناً تكون الأسرة أشبه بشراكة اقتصادية بين أجيال متعددة.

لماذا حدث هذا التحول؟

أولاً: أزمة السكن

ربما تكون كلفة السكن العامل الأكثر وضوحاً. ففي كثير من المدن الكبرى، ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات بوتيرة تفوق نمو دخول الشباب.

وبالتالي أصبح الانتقال إلى شقة مستقلة قراراً مالياً ثقيلاً، حتى بالنسبة إلى من لديهم وظيفة.

وتقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات ساهم في تأخير تكوين الأسر والزواج ودفع مزيد من الشباب إلى العيش مع والديهم لفترات أطول.

ثانياً: تغير سوق العمل

الأجيال السابقة كانت تدخل سوق العمل في سن مبكرة نسبياً، وتحصل في كثير من الحالات على وظيفة طويلة الأمد، ثم ترتفع أجورها تدريجياً.

أما الأجيال الجديدة فتواجه انتشاراً أكبر للعمل المؤقت والعقود القصيرة والعمل الحر والعمل عبر المنصات وفترات الانتقال بين الوظائف.

حتى عندما يجد الشاب وظيفة، قد لا تكون الوظيفة مستقرة بما يكفي لتحمل التزام طويل الأجل مثل شراء منزل.

ثالثاً: ارتفاع كلفة التعليم

في بعض البلدان، خصوصاً الولايات المتحدة، يخرج الشباب من التعليم العالي وهم يحملون ديوناً دراسية.

وهذا يعني أن بداية حياتهم الاقتصادية لا تبدأ من الصفر، بل من التزام مالي متراكم.

وفي دراسة أجريت عام 2024، قال 42 بالمائة من أفراد جيل زد الذين تبلغ أعمارهم 23 عاماً فأكثر إنهم يتلقون أو سبق أن تلقوا مساعدة مالية مستمرة من آبائهم.

رابعاً: ارتفاع كلفة الحياة اليومية

الأزمة ليست في الإيجار وحده.

الغذاء والطاقة والنقل والرعاية الصحية والاتصالات والترفيه وحتى تكوين المدخرات أصبحت كلها تنافس الراتب نفسه.

وهذا يجعل الاستقلال المالي أكثر صعوبة حتى بالنسبة إلى الشباب الذين يعملون بدوام كامل.

جيل زد ليس جيلاً كسولاً بالضرورة

أحد أكثر الأخطاء شيوعاً هو تفسير الظاهرة باعتبارها دليلاً على أن الشباب أصبح أقل رغبة في العمل وأكثر اعتماداً على آبائه.

لكن المعطيات تشير إلى تفسير مختلف.

فالشاب قد يكون أكثر تعليماً من والديه، وأكثر اتصالاً بالتكنولوجيا، وأكثر استعداداً للعمل، لكنه يواجه في الوقت نفسه اقتصاداً مختلفاً تماماً عن الاقتصاد الذي واجهته الأجيال السابقة في العمر نفسه.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: لماذا لا يغادر أبناؤنا المنزل؟

بل: هل يستطيعون فعلاً تحمل تكلفة مغادرته؟

العودة إلى بيت العائلة

أدت هذه الظاهرة إلى تحول اجتماعي في عدد من الدول، إذ أصبح المنزل العائلي مرة أخرى مركز الحياة الاقتصادية حتى بالنسبة إلى البالغين.

قد يغادر الشاب المنزل لفترة للدراسة أو العمل ثم يعود إليه، وقد يعيش مع والديه حتى أواخر العشرينات أو الثلاثينات. وفي بعض الحالات، لا يكون الأمر مؤقتاً، بل يتحول إلى نموذج حياة طويل الأمد.

لكن هذه العودة لا تعني دائماً الفشل. ففي دراسة بيو الأميركية، قال 64 بالمائة من الشباب الذين يعيشون مع أحد الوالدين إن هذا الوضع كان إيجابياً بالنسبة إلى وضعهم المالي الشخصي، كما قال 55 بالمائة إن العيش مع الوالدين كان له أثر إيجابي على علاقتهم بهما.

وبذلك قد يكون البقاء في المنزل العائلي استراتيجية مالية عقلانية، تتيح للشاب الادخار أو سداد الديون أو تكوين رأس مال لشراء منزل لاحقاً.

متى يتحول الدعم إلى مشكلة؟

إذا كان الدعم الأسري مرحلة مؤقتة تساعد الشاب على بناء حياته، فقد يكون حلاً.

لكن عندما يستمر الاعتماد المالي إلى أجل غير معروف، يمكن أن يتحول إلى مشكلة بالنسبة إلى الطرفين.

فالشاب قد لا يراكم مدخرات كافية، بينما يستمر الوالدان في تحمل نفقات شخص بالغ، وقد يجد الجيل الأكبر نفسه مضطراً إلى تأجيل تقاعده أو استهلاك مدخراته لمساعدة الأبناء.

وهنا يصبح انتقال الثروة بين الأجيال عاملاً متزايد الأهمية في تحديد قدرة الشباب على تحقيق الاستقلال.

ليست كل الأسر متساوية

تكمن إحدى أخطر نتائج الظاهرة في تفاوت قدرة الأسر على تقديم الدعم.

فالشاب الذي يولد في أسرة تملك منزلاً ومدخرات واستثمارات يمكن أن يحصل على مساعدة كبيرة.

أما الشاب الذي ينتمي إلى أسرة محدودة الدخل، فقد لا يملك والداه أصلاً القدرة على مساعدته.

وبالتالي فإن الاعتماد على الأسرة قد يؤدي إلى زيادة الفوارق بين الشباب أنفسهم. فبعضهم يستطيع شراء منزل بمساعدة الوالدين أو الحصول على دعم خلال سنوات الدراسة، بينما يبدأ آخرون حياتهم من دون شبكة أمان مالية.

الاستقلال المالي والزواج

يرتبط الاستقلال المالي مباشرة بتكوين الأسرة.

فكلما تأخر الحصول على وظيفة مستقرة والسكن المستقل، تأخر الزواج والإنجاب في عدد كبير من المجتمعات.

وهكذا تتحول قضية تبدو في البداية مالية إلى قضية سكانية:

السكن مع الوالدين، ثم تأخر الاستقلال، ثم تأخر الزواج، ثم تأخر الإنجاب، ثم انخفاض الخصوبة.

وماذا عن تونس؟

نعم، المؤشرات المتاحة تشير إلى وجود الظاهرة أيضاً في تونس، وإن كان من الخطأ إسقاط رقم 72 بالمائة الأميركي على الشباب التونسيين.

فدراسة ميدانية أكاديمية حول الشباب في تونس وجدت أن 83 بالمائة من عينة من الشباب بين 18 و30 عاماً كانوا يعيشون في منزل الوالدين. لكن هذا الرقم يتعلق بالسكن وليس بالاعتماد المالي، ولذلك لا يمكن استخدامه للقول إن 83 بالمائة من الشباب التونسي يعتمدون مالياً على آبائهم.

وتوجد في تونس عوامل تجعل الظاهرة مفهومة، من بينها ارتفاع بطالة الشباب، وصعوبة الحصول على عمل مستقر، وارتفاع تكلفة السكن مقارنة بدخول شريحة واسعة من الشباب، وتأخر الزواج.

لكن تونس ليست استثناءً؛ فهي تدخل في اتجاه عالمي أوسع تتحول فيه الأسرة إلى شبكة أمان اقتصادية أمام صعوبة الانتقال من الدراسة إلى العمل ثم إلى السكن والاستقلال.

من طفل يعيش مع والديه إلى بالغ يعيش داخل اقتصاد الأسرة

ربما يكون أهم تحول اجتماعي هو تغير تعريف الاستقلال نفسه.

في الماضي، كان بلوغ سن الرشد يعني في المخيال الاجتماعي مغادرة منزل الوالدين، والحصول على وظيفة، والزواج وتكوين منزل مستقل.

أما اليوم، فقد أصبح الانتقال تدريجياً.

شاب يعمل لكنه يعيش مع والديه.

شابة تدرس وتعمل جزئياً لكنها تتلقى مساعدة في الإيجار.

زوجان شابان يعيشان مؤقتاً مع أحد الوالدين لتوفير المال.

وأبناء بالغون يعودون إلى منزل الأسرة بعد فقدان وظيفة أو انتهاء علاقة أو بسبب أزمة مالية.

كل هذه الحالات أصبحت جزءاً من المشهد الاقتصادي والاجتماعي الحديث.

الاستقلال… الكلمة التي يعيد جيل زد تعريفها

رقم 72 بالمائة الذي أثار الاهتمام ليس مجرد حكاية عن جيل زد الأميركي.

إنه مؤشر على تحول أعمق: الطريق إلى الاستقلال المالي أصبح أطول وأكثر تكلفة بالنسبة إلى جزء كبير من الشباب في العالم.

والدليل أن ظاهرة العيش مع الوالدين أو تلقي المساعدة المالية تظهر بأشكال مختلفة في الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى، وإن كانت أسبابها تختلف من مجتمع إلى آخر.

أما تونس، فتبدو جزءاً من هذه الصورة العالمية، لكن مع خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية.

المسألة في النهاية ليست أن الشباب لا يريدون أن يكبروا، بل أن العالم الذي يدخلون إليه كبالغين أصبح أكثر كلفة وتعقيداً من العالم الذي عرفه آباؤهم عندما كانوا في أعمارهم.

ولهذا قد يكون جيل زد أول جيل يضطر إلى إعادة تعريف معنى كلمة كانت تبدو بديهية في السابق:

الاستقلال.