الرئيسية آخر الأخبار موقع البنك المركزي التونسي تحت إجراءات أمنية مشددة.. لماذا

موقع البنك المركزي التونسي تحت إجراءات أمنية مشددة.. لماذا

0
5
blank

أثار استمرار صعوبة الوصول إلى الموقع الإلكتروني للبنك المركزي التونسي، ولا سيما من عدد من الدول الأجنبية، تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذه القيود، في وقت يظهر فيه الموقع أمام بعض المستخدمين في شكل صفحة صيانة تحمل رسالة تفيد بأن عملية صيانة مبرمجة جارية، وأن الموقع سيعود للعمل لاحقاً.

غير أن مصادر من البنك المركزي التونسي أوضحت أن الأمر لا يتعلق بإغلاق الموقع أو بتعطل تقني عابر، وإنما يأتي في إطار إجراءات أمنية معلوماتية تم اعتمادها منذ الهجوم السيبراني الذي استهدف المؤسسة في مارس 2022، بالتوازي مع مشروع أوسع لإعادة هيكلة منظومة الأمن السيبراني بالمؤسسة.

وتشير المصادر إلى أن البنك المركزي يعمل حالياً على إعادة تصميم منظومته الرقمية والأمنية ضمن مشروع استراتيجي للأمن السيبراني، وهو ما يفسر جانباً من الإجراءات والقيود المفروضة على الولوج إلى الموقع من بعض المناطق الجغرافية.

هجوم مارس 2022.. الحادثة التي غيرت مقاربة البنك المركزي

ولفهم الإجراءات الحالية، لا بد من العودة إلى الهجوم السيبراني الذي تعرض له البنك المركزي التونسي يوم 23 مارس 2022.

وكان البنك المركزي قد أعلن آنذاك أن منظومة أمنه المعلوماتي رصدت هجوماً إلكترونياً، مؤكداً أنه تمت السيطرة عليه بفضل التنسيق بين مصالح البنك والوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية، وأن بيانات نظامه المعلوماتي بقيت سليمة. غير أن الهجوم تسبب في اضطرابات طالت عدداً من أنشطة المؤسسة، من بينها الموقع الإلكتروني.

وأظهرت المعطيات التي نشرت لاحقاً أن البنك المركزي اضطر إلى عزل موقعه ومنع بعض عمليات النفاذ إلى مركز البيانات وفتح تحقيق فني معمق في الهجوم. كما تم تفعيل خطة استمرارية النشاط لضمان استمرار الخدمات الحيوية للقطاع المالي.

وكان الموقع قد عاد إلى العمل تدريجياً بعد أيام، إذ أعيد تفعيله مساء 27 مارس 2022، بعد أن كان الهجوم قد أدى إلى تعطله.

وبحسب معطيات فنية نشرت في تلك الفترة، استهدف الهجوم خصوصاً الخوادم الأمامية للبنك، مع تأثر خادم البريد ودليل المؤسسة، فيما أكدت المؤسسة أن لديها نسخاً سليمة ضمن منظومة النسخ الاحتياطي.

من حادثة أمنية إلى مشروع استراتيجي

وتكتسب القيود الحالية على الوصول إلى الموقع معنى مختلفاً في ضوء ما تقوله مصادر البنك المركزي. فالمؤسسة لا تتعامل، وفق هذه المعطيات، مع الموقع الإلكتروني باعتباره مجرد واجهة إعلامية، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة رقمية يتعين تأمينها في مواجهة محاولات الاختراق والهجمات السيبرانية.

وبالتالي، فإن تقييد الوصول من بعض الدول أو المناطق الجغرافية يمكن أن يكون جزءاً من سياسة تقليص سطح الهجوم الإلكتروني، وهي ممارسة تستخدمها المؤسسات الحساسة للحد من مصادر الاتصال غير الضرورية بأنظمتها الرقمية، خصوصاً عندما تكون المؤسسة بصدد إعادة بناء أو تطوير بنيتها الأمنية.

وهنا يصبح الفرق مهماً بين القول إن البنك المركزي «أغلق موقعه» وبين القول إن المؤسسة تطبق قيوداً أمنية على النفاذ إليه ضمن مشروع لإعادة بناء منظومتها السيبرانية.

لماذا لا يعني استعمال شبكة افتراضية بالضرورة وجود خلل؟

وقد لوحظ أن الوصول إلى الموقع يمكن أن يختلف باختلاف موقع المستخدم الجغرافي أو طريقة الاتصال، بما في ذلك استخدام شبكات افتراضية.

لكن هذه الملاحظة، في حد ذاتها، لا تثبت وجود ثغرة أمنية ولا تعني أن الموقع «مغلق» بصورة مطلقة. فالشبكات الافتراضية قد تغير نقطة خروج الاتصال والموقع الجغرافي الظاهر للمستخدم، وبالتالي قد تختلف طريقة تعامل أنظمة الحماية مع الطلب.

ومن الناحية الأمنية، فإن قدرة مستخدم على الوصول إلى واجهة موقع عبر مسار اتصال مختلف لا تعني بالضرورة أن بإمكانه الوصول إلى الأنظمة الداخلية للبنك المركزي أو تجاوز حماية بنيته المعلوماتية.

الشفافية في مواجهة الأمن السيبراني

مع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً بشأن المدة التي تستغرقها أعمال إعادة الهيكلة ومدى وضوح التواصل مع المستخدمين.

فالبنك المركزي ليس مؤسسة عادية؛ إنه المؤسسة النقدية الأولى في البلاد، وموقعه الإلكتروني يمثل إحدى القنوات الرئيسية التي يعتمد عليها المستثمرون والباحثون والمؤسسات المالية ووسائل الإعلام للحصول على البيانات الاقتصادية والنقدية الرسمية.

لذلك، فإن الإجراءات الأمنية، مهما كانت مبررة، تحتاج أيضاً إلى واجهة تواصل واضحة تشرح للمستخدمين سبب القيود وطبيعتها والمدة المتوقعة لاستمرارها، من دون الكشف بطبيعة الحال عن تفاصيل تقنية يمكن أن تساعد المهاجمين.

وتؤكد تجربة مارس 2022 أن المخاطر السيبرانية التي تواجه المؤسسات المالية ليست نظرية. فقد اضطر البنك المركزي آنذاك إلى تفعيل خطة استمرارية النشاط، بينما استمرت الخدمات المالية الحيوية، قبل العودة التدريجية إلى الوضع الطبيعي.

وبذلك، فإن ما يبدو اليوم للزائر الخارجي مجرد صفحة صيانة أو صعوبة في الوصول إلى الموقع، قد يكون في الواقع جزءاً من عملية أمنية أوسع بدأت جذورها بعد هجوم 2022، وتتجه اليوم نحو إعادة صياغة استراتيجية كاملة للأمن السيبراني داخل البنك المركزي التونسي.

المسألة إذن ليست، وفق مصادر من داخل المؤسسة، «إغلاقاً للموقع أمام العالم»، وإنما إعادة ترتيب للعلاقة بين الانفتاح الرقمي ومتطلبات حماية مؤسسة مالية سيادية في مواجهة تهديدات إلكترونية أصبحت أكثر تعقيداً منذ هجوم مارس 2022.